كرة القدم والسياسة.. وهم السلطة

عبدالرحيم شلبي
عبدالرحيم شلبي

آخر تحديث: الثلاثاء 25 أغسطس 2026 - 7:20 م بتوقيت القاهرة

ما الذى يجعل دبلوماسيًا سابقًا يكتب عن الفيفا؟ ربما يبدو السؤال غريبًا، فأنا لا أكتب عن كرة القدم من زاوية نتائج المباريات. لكن ما جرى حول جيانى إنفانتينو فى الأسابيع الأخيرة أثار لدىَّ اهتمامًا يتجاوز كرة القدم نفسها، لأنه يكشف شيئًا بسيطًا وليس دائمًا واضحًا لمن يمارس السلطة: المنصب يمنح صاحبه قوة، لكنه لا يمنحه بالضرورة كل القوة التى تبدو فى يده.

فى الأوقات العادية، لا أحد يتوقف كثيرًا عند هذا الفرق. فالقائد القوى يبدو قادرًا على تمرير قراراته، ومن حوله يعرفون حدود الاعتراض، والمؤسسة تبدو متماسكة. القرارات تمر من خلاله، والولاءات تتجمع حوله. لكن الأزمات تفعل شيئًا مختلفًا؛ فهى لا تختبر فقط قرارات القائد، وإنما تختبر أيضًا مقدار القوة التى يملكها فعلًا، ومقدار القوة التى يستمدها من الذين يقبلون العمل معه. وهنا تكشف الأزمات أين تنتهى سلطة الشخص وأين تبدأ سلطة المؤسسة. وقد رأينا هذا فى أنظمة سياسية طال بقاء قادتها، حتى أصبح الاعتراض عليهم وكأنه اعتراض على الاستقرار نفسه، وأصبحت طاعة المحيطين بهم دليلًا على قوتهم، بينما كانت فى جانب منها نتيجة طبيعية لنظام من المصالح والاعتماد المتبادل. هذا النوع من القوة يبدو ثابتًا إلى أن يبدأ أحدهم فى اختباره؛ عندها يتضح أن ما بدا قوة شخصية كان، فى جانب منه، قوة المنصب وقوة الأشخاص الذين اختاروا منحه ثقتهم.

وهنا يمكن فهم جانب من التشابه بين دونالد ترامب وجيانى إنفانتينو، لا فى الشخصية بل فى طريقة التعامل مع السلطة: تحويل العلاقات إلى أدوات، والولاء إلى قيمة تُقاس، والدعم إلى شىء يُحفظ أو يُفقد وفق المصلحة. هذه الطريقة فعالة لفترة طويلة، لكن كلما زاد الاعتماد عليها، ازدادت أهمية سؤال واحد: ماذا يحدث حين تتغير حسابات من تقوم عليهم؟

  • • •

هنا تكتسب قصة الفيفا معناها. المشروع الذى اقترحه إنفانتينو، FIFA Forward Enterprises، كان يستهدف بيع نحو خُمس الحقوق التجارية والإعلامية المستقبلية للفيفا لمستثمرين من القطاع الخاص، فى صفقة قدرت بنحو 4٫2 مليار دولار. اعترض الاتحاد الأوروبى (UEFA)، ثم اتحاد الكونكاكاف والاتحاد الآسيوى، لا على تفاصيل الصفقة فحسب، بل على غياب الشفافية فى القرار. ودخلت حكومات أوروبية على الخط، وهو ما نقل الأزمة من عالم كرة القدم إلى ما هو أبعد. وكان فى الموقف الأوروبى رفض ضمنى لفكرة أن كل شىء قابل للبيع، وأن مؤسسة نشأت عبر عقود يمكن أن تتحول فجأة إلى حزمة من الحقوق التجارية.

تراجع إنفانتينو، وأُلغى المشروع. وكان يمكن أن تنتهى القصة عند هذا الحد، لكنها لم تنته؛ فالخلاف بدأ يكشف نفسه داخل الفيفا أيضًا. استقال كارلوس كوردييرو، أحد كبار مستشارى إنفانتينو، اعتراضًا على المشروع. ثم أُقيل مدير العمليات كيفن لامور بعد أن انتقد طريقة إدارة الملف، وقال إن موظفين فى الفيفا شعروا بأنهم تعرضوا للخداع، ووصف المشروع بأنه «مشروع شخص واحد». وهنا تغير معنى الأزمة: لم تعد المشكلة أن رئيس الفيفا اقترح مشروعًا فشل، بل أصبحت فى ما إذا كانت المؤسسة نفسها تملك القدرة على قول «لا» حين يختلف جزء منها مع رئيسها. وهذا هو الاختبار الحقيقى لأى مؤسسة: ليس قدرتها على تنفيذ قرارات قائدها فى الهدوء، بل قدرتها على مقاومته حين ترى المقاومة ضرورية.

والدعم الذى حصل عليه إنفانتينو من اتحادى إفريقيا وأمريكا الجنوبية لا يمكن اختزاله فى ولاء شخصى؛ فلكل منهما مصالحه وحساباته، وهى مصالح كافية لتفسير موقف اللحظة، لكنها ليست أبدية. ومن يملك القدرة على منح الدعم يملك أيضًا القدرة على سحبه. وقد زاد الكشف عن دور صندوق Thrive Eternal، الذى أسسه شقيق جاريد كوشنر، من البعد السياسى للقصة، وجعل من الصعب تجاهله حتى لو لم يثبت وجود صفقة سياسية مباشرة.

  • • •

وتزداد أهمية هذا السؤال مع اقتراب انتخابات الفيفا عام 2027، حيث تقدمت منظمة FairSquare بطعن فى أهلية إنفانتينو للترشح لولاية رابعة، استنادًا إلى تفسيرها لقواعد تحديد مدد الرئاسة. وهنا تنتقل المسألة من ميدان السياسة إلى ميدان القواعد، لكن الفصل بينهما ليس سهلًا أبدًا؛ فالقواعد لا تكون قوية لأنها مكتوبة فحسب، بل لأنها قادرة على تقييد صاحب السلطة حتى حين يكون فى مصلحته أن تُفسَّر بطريقة أخرى. ومن هنا يصبح الصراع داخل الفيفا اختبارًا أكبر من معركة على رئاسة منظمة رياضية: هل تستطيع المؤسسة أن تضع حدودًا لقائدها، أم يستطيع القائد، بمرور الوقت، أن يجعل حدود المؤسسة تدور حوله؟

فالقائد لا يحتاج دائمًا إلى أن يكون أقوى من خصومه؛ يكفيه أحيانًا أن يقنع الآخرين بأن البديل عن بقائه أسوأ منه. وهذا المنطق نفسه، منطق القائد الذى يحول الدفاع عن موقعه إلى دفاع عن استقرار المؤسسة أو الدولة كلها، ليس حكرًا على عالم كرة القدم أو على قواعد ولايات الرئاسة. فالقائد الذى يواجه محاكمة قضائية وخصومة داخلية متصاعدة قد يجد أن أفضل وسيلة لحماية موقعه ليست الدفاع عن سجله، بل تغيير طبيعة المعركة نفسها؛ فإذا لم يعد قادرًا على تقديم بقائه كنتيجة طبيعية للنجاح، يصبح بقاؤه ضروريًا بسبب أزمة أكبر، أمنية أو وجودية، تجعل التساؤل حوله وكأنه تساؤل حول استقرار الدولة ذاتها. وهكذا تتحول خصومة داخلية إلى معركة تُقدَّم على أنها معركة على مستقبل الكيان نفسه، ويصبح الدفاع عن القيادة الحالية، فى خطاب أنصارها، دفاعًا عن الدولة ذاتها لا عن شخص بعينه. وكل تأخير فى محاسبته يصبح، فى هذا الخطاب، ثمنًا ضروريًا لبقاء الجميع.

  • • •

وهنا نصل إلى السؤال الأهم من كل تفاصيل الأزمات، سواء كانت فى مقر الفيفا بزيورخ أو فى أروقة السياسة: متى يعرف صاحب السلطة أن وقت الرحيل قد حان؟ ليس السؤال سهلًا على أى قائد، فالسلطة لا تخبر صاحبها متى تنتهى؛ بل إن أخطر ما فيها أنها قد تمنحه، لفترة طويلة، أدلة تبدو وكأنها تقول العكس: مؤيدون، أصوات، مصالح، إنجازات، وخصوم لا يزالون أقلية. لكن التاريخ السياسى يعلمنا أن لحظة الرحيل لا تُقاس دائمًا بعدد من ما زالوا يؤيدون القائد، بل بما إذا كان بقاؤه قد بدأ يستهلك المؤسسة التى يفترض أنه يحميها. ومن هنا، قد تكون الاستقالة فى وقتها ليست اعترافًا بالهزيمة، بل آخر قرار قوى يستطيع القائد اتخاذه لمصلحة من يقوده.

وهم السلطة ليس أن القائد لا يملك سلطة، بل أن يعتقد أنها ملكه هو.

مساعد وزير الخارجية الأسبق

 

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2026 ShoroukNews. All rights reserved