مئوية أحمد بهاء الدين
سيد محمود
آخر تحديث:
الثلاثاء 25 أغسطس 2026 - 7:25 م
بتوقيت القاهرة
مرت أول من أمس الذكرى الثلاثون لرحيل الكاتب الصحفى الكبير أحمد بهاء الدين كما تحل الذكرى المئوية لميلاده خلال العام المقبل؛ الأمر الذى يستوجب وجود خطة قومية للاحتفال بهذه المناسبة تتبناها نقابة الصحفيين ومعها الهيئة الوطنية للإعلام، وكما نبه زميلى فى صحيفة الأهرام الصديق محمد شعير فإنه من الواجب أن يكون العام المقبل عاما مخصصا لإحياء ذكرى هذا الكاتب الاستثنائى.
وأحسب أن النقاش الدائر حول وضعية الإعلام فى مصر الآن يفيده كثيرا استعادة سيرة بهاء الحافلة بالدروس والمحطات التى تمثل وحدها روشتة كاملة للإصلاح فقد رأى الرجل أن أى حل لن يثمر ما لم يستند إلى إيمان تام بحرية الرأى والتعبير والحق فى التفكير الخلاق.
وتكفى الإشارة إلى خلافاته مع الرئيس السادات ــ رغم الصداقة التى جمعت بينهما ــ لتأكيد هذا الإيمان فقد اعترض على قرار اتخذه الرئيس السادات بعودته إلى روزا اليوسف بعد النجاح الذى حققه فى دار الهلال وهو رئيس لتحرير المصور ورئيسا لمجلس إدارة المؤسسة التى عرفت معه ازدهارا لم يتكرر بعدها أبدا وكتب رسالة قاسية إلى الرئيس محتجًا على القرار لأنه لم يكن بالتشاور معه وكذلك قاد الصحفيون للتضامن مع الحركة الطلابية فى العام ١٩٧٢ فى البيان الذى عرف ببيان توفيق الحكيم؛ معتبرا أن واجبه الوقوف مع حركة وطنية تدعو لاستعادة الأرض والثأر من الهزيمة وامتد خلافه مع السادات بعد ذلك إلى المستوى الذى وثقه فى كتابه محاوراتى مع السادات الذى يعكس قدرًا كبيرًا من المرارة والشعور بالخذلان.
والناظر فى كتابات بهاء منذ أن احترف العمل الصحفى وإلى أن توقف عن الكتابة لأسباب صحية سيجد مجموعة من المسارات الرئيسية التى ترسم سيرة حية للضمير الحر الذى كان بوصلة لتيارات العمل الوطنى وهو من أوائل من انتبهوا إلى قيمة المعرفة التاريخية، إذ نظر إلى التاريخ نظرة تقدمية شاملة انعكست فى كتابه الفذ (أيام لها تاريخ) الذى لا تخلو مكتبة مصرية منه؛ فهو كتاب عمدة يقود القارىء إلى محطات فاصلة فى تاريخنا الوطنى بمعناه الشامل وظل الكتاب مصدر إلهام لصحفيين جاءوا بعده واقتفوا أثره مثل صلاح عيسى وجلال السيد ومحمود عوض.
ولا يخلو كتاب من بين مؤلفات الراحل من إشارة أو دعوة إلى إعادة النظر فى تاريخنا لبناء استراتيجيات وطنية للنهوض فليس التاريخ مجالا للعظة والدروس وإنما هو وسيلة للمعرفة لا تقل أهمية عن الفلسفة.
لم يفصل فى مؤلفاته أبدا بين أسئلة الماضى وأسئلة الحاضر وإنحاز بلا مواربة إلى قضية الاستقلال الوطنى بنفس القدر الذى واجه فيه صور التمييز الطبقى ومحاولات إجهاض العقل أو إطفاء أنواره.
وأعتبر أن ما أنجزه يعد امتدادًا لما سعى طه حسين إلى تحقيقه؛ ممثلا فى دعواه إلى العدالة الاجتماعية وتأكيد أسس العقلانية واحترام التنوع ونبذ كافة أشكال التعصب والتمييز.
وبخلاف اتساع مداركه وعقلانيته المستمدة من دراسته للقانون فإنه من اللافت جدا أن كتابات بهاء تجاوزت الشأن السياسى واتسعت لتشمل ما يسميه هابرماس اليوم بالمجال العام.
ومن يعود لكتاباته حوّل المثقفون والسلطة فى عالمنا العربى لن تفوته تلك النظرة الثاقبة لمشكلات العقل العربى والأهم أنه عالج تلك المشكلات بدون رطان نظرى وإنما استنادا إلى لغة بسيطة سهلة احتفظت بالقيمة دون أن ترهق القارئ أو تسليه لكنها ظلت تمتعته طوال الوقت.
ذهب الأستاذ بهاء ضحية إيمانه بقضية فلسطين وعاش حياته كلها مؤمنا بالقومية العربية، لكنها لم تكن القومية الإنشائية التى تقوم على الشعارات وإنما تلك التى تحترم العقل وتستند إلى المصلحة وإلى ضرورات الأمن القومى كما لم تكن معاركه دفاعا عن اللغة العربية سوى وجه من وجوه الدفاع عن المصير العربى المشترك وعن حضارة عريقة استندت إلى ما أنجزته هذه اللغة فى التاريخ وللأسف فإن كل تلك القضايا تعيش أسوأ فتراتها فى التاريخ المعاصر ولم يعد العرب يملكون أى قدرة على إقرار مصيرهم أو إدارة معادلات الصراع.
قد يظن قراء الجيل الجديد أن بهاء الدين انشغل فقط بالقضايا الكبرى وأهمل القضايا الخدمية المتعلقة بالتعليم أو الصحة والثقافة وغيرها من الأمور الأساسية وهذا ظن فى غير محله لأن الراحل قضى عمره يدافع عن التعليم وينظر إليه نظرة طه حسين كالماء والهواء معتبرا أنه المدخل الحقيقى لأى تقدم قومى أو لأى ترق شخصى.
ومن يرجع للكتاب المهم الذى أصدره الأستاذ رشاد كامل وتضمن مقالات الأستاذ الراحل فى الأدب والفن وشئون العمارة والتراث تحت عنوان (مقالات لها تاريخ) سيدرك عمق انشغالاته الثقافية وحجم صداقاته مع رموز وقامات كبيرة يتقدمها طه حسين وليس هذا فقط وإنما نبوأته المبكرة حوّل ما نعانى منه اليوم من إصرار على تدمير تراثنا المعمارى والتاريخى تحت دعوى التطوير دون وعى بما يسمى الحفاظ على النسيج العمرانى.
وللأسف فإن ما نعيشه اليوم يشير إلى أن تعاملنا مع قضية التعليم لا يبشر بالنجاح فى تحقيق أهداف التقدم ومعادلة الإصلاح كما أن أوضاع العقل بحاجة إلى وسائل أخرى لتحقيقها أو الدفاع عنها لذلك فإن العودة إلى مؤلفات بهاء الدين تبقى ضرورية وإلزامية ليس فقط لإنصاف الرجل وتأكيد قيمته وإنما للنجاة من بعض ما نحن فيه.