منطق ترامب المتناقض

عماد الدين حسين
عماد الدين حسين

آخر تحديث: الثلاثاء 25 أغسطس 2026 - 7:45 م بتوقيت القاهرة

يوم السبت الماضى جدد الرئيس الأمريكى دونالد ترامب ما يردده دائما بأن إيران فقدت معظم قدرتها على إنتاج الصواريخ والمسيرات، وأن الضربات الأمريكية دمرت القوات الجوية والبحرية ومعظم القدرات العسكرية الإيرانية، وخاتما بقوله: «نحن ندير مضيق هرمز وسوف نسيطر عليه قريبا».

كل من يقرأ هذا الكلام الذى يكرره ترامب منذ الأسبوع الأول للحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران فى ٢٨ فبراير الماضى، يسأل نفسه سؤالا بديهيا إذا كان ترامب صادقا فيما يقوله، فلماذا لم تعلن إيران استسلامها حتى الآن رغم مرور نحو ١٧٠ يوما على بدء الحرب، أو على الأقل تستجيب لكل المطالب السياسية للطرف الآخر.

السؤال البديهى والمزعج فى نفس الوقت، إذا كان الجميع يدرك ــ بمن فيهم العديد من الخبراء الأمريكيين ــ أن ترامب لم يستطع الحسم العسكرى مع إيران، بل إن صورايخه وذخائره قاربت على النفاد، فلماذا يكرر دائما أنه انتصر، وأنه مستعد للعودة للعمليات العسكرية فى أى وقت يريد؟

مناقشة الأسئلة السابقة تثير الكثير من الأسئلة الجديدة أكثر مما تقدم إجابات شافية.

المؤكد أن الولايات المتحدة هى أقوى دولة فى العالم وميزانيتها العسكرية نحو تريليون دولار وترغب فى رفعها إلى تريليون ونصف التريليون دولار، والمبلغ قبل الزيادة يساوى ضعف ميزانيات بقية دول حلف الناتو مجتمعة.

والمؤكد أيضا أن الولايات المتحدة وجهت ضربات قوية جدًا لإيران منذ اندلاع الحرب، ونتيجة لذلك تضررت البنية الأساسية العسكرية والاقتصادية لإيران بصورة كبيرة.

لكن المؤكد أيضا أن إيران صمدت ولم تستسلم حتى الآن، بل والغريب والمثير للدهشة أنها ترفع سقف مطالبها. وبينما تراجعت أمريكا عن شروطها الأساسية التى من أجلها دخلت الحرب مثل القضاء على البرنامجين النووى والصاروخى ثم الوكلاء فى الخارج، بل وتغيير النظام نفسه، فإن مطلبها الرئيسى الآن صار فتح مضيق هرمز الذى لم يكن مغلقا حتى بداية الحرب.

فى المقابل فإن إيران رفعت السقف عاليا وصارت تشترط الاعتراف بسيادتها على مضيق هرمز والحصول على تعويضات عن أضرار الحرب وإعادة أموالها المجمدة وانسحاب القوات الأمريكية من محيط إيران.

هل هذا التغير يؤيد كلام ترامب بأن بلاده دمرت إيران، أم يؤيد كلام إيران التى تقول إنها ستتوصل مع عمان إلى ترتيبات لإدارة مشتركة للمضيق، وهو الأمر الذى ترفضه تماما واشنطن التى هددت بقصف السلطنة إذا توصلت مع إيران لأى اتفاق لإدارة المضيق من دون موافقة أمريكا.

هناك ما يشبه الإجماع على أن ترامب يعيش حالة من التخبط الشديد بشأن إيران بعد أن عجز تمامًا عن الحسم العسكرى. ومن الواضح أيضًا أن كبار المستشارين العسكريين أوضحوا له أن الحسم العسكرى بعيد، ومن الواضح أيضا أن إعلان ترامب بدء أقوى حصار اقتصادى ضد إيران أو ما يسميه «الإنزال الاقتصادى»، يشير إلى اعتراف ضمنى بالفشل العسكرى، رغم أن مراقبين يقولون إن الحصار الاقتصادى القوى قد تكون آثاره أقوى بكثير من الضربات العسكرية وكان من الممكن أن يغنى عن الحرب من الأساس.

وفى المقابل يرى خبراء آخرون أن إيران التى تواجه عقوبات وحصارًا أمريكيًا اقتصاديًا منذ عام ١٩٧٩ قد تعودت على التأقلم والتكيف مع هذه الحالة، وبالتالى فمن الصعب تماما الرهان على تغير نوعى من سلوكها فى المدى الزمنى القريب والقصير.

ترامب يواجه وضعًا صعبًا للغاية، فصورة النصر بعيدة عنه تماما، وكل رهاناته السياسية لم تتحقق حتى الآن، وبالتالى فإن كل ما يقوله ويكرره عن تدمير القدرات الإيرانية، ليس أكثر من مخاطبة الداخل الأمريكى خصوصا جمهوره المحافظ.

وما لم تحدث معجزة تغير الوضع الحالى المجمد عسكريا، وتقبل بموجبه إيران للشروط الأمريكية الإسرائيلية فأغلب الظن أن ترامب سيواصل تكرار معزوفة أنه انتصر ودمر كل مقدرات إيران.

والموعد الفاصل لكل ذلك هو نتائج الانتخابات الإسرائيلية فى أواخر أكتوبر المقبل ونتائج الانتخابات النصفية للكونجرس الأمريكى فى أوائل نوفمبر المقبل، وربما يكون السؤال المهم هو: ما الذى سوف يحدث من الآن وحتى تظهر نتائج هذه الانتخابات؟!

كيف يتحدث ترامب طوال الوقت عن أنه يدير مضيق هرمز بل ويعتبره أرضا أمريكية، فى حين أن كل التقارير الدولية تقول إنه مغلق عمليا، وأن حركة مرور ناقلات النفط والغاز انخفضت إلى أقل من ٤٪ مما كان عليه الحال قبل بداية الحرب.؟!!

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2026 ShoroukNews. All rights reserved