أن تسكن المربع أو يطاردك!

خولة مطر
خولة مطر

آخر تحديث: الأحد 25 سبتمبر 2016 - 9:35 م بتوقيت القاهرة

ليست الإشكالية أحيانا فى أن تطرح الأسئلة ولكن أن تخاف حتى من طرحها عندما يخيم على الجو شكل الحوار الواحد بلون موحد وغير مقبول أن تكون الأسئلة خارج هذا الإطار الذى رسمه أحدهم كما رسم ذاك الإنجليزى قبل سنين. ليست بالبعيدة جدا خطوط تحولت إلى حدود لدول أو دويلات بحكومات وإعلام ومحطات إذاعة ثم محطات للتلفزة ورؤساء وحكام ومجالس. هكذا هى سمات هذه المرحلة أن ترسم مربعا قد يكون شديد الصغر وتحشر الجميع به، ومن يرفض فعليه أو عليها أن يتقبل أنه/أنها سيكونان خارج الدائرة أو الإطار. لا رفاق لهما فقد يخافهما البعض ولا صداقات إلا ممن يشبههما أو يحاول أن يفهمهما رغم أن هذا الآخر سيفضل أن يفهمهما من بعيد دون الارتباط بهم حتى لا تطاله الشبهة.

***
إما أنك معنا أو ضدنا ــ ولا هناك أمر بينهما كأن تحاول أن تقول وتردد أن هناك أمرا ثالثا أو ربما رابعا. ترفع رأسك بعض الشىء لتتنفس الهواء أو بعضه إن كان متوفرا أصلا وأن تفتح النافذة دون أن تطالعك أعينهم، ربما تراقبك حتى تبقى الأسئلة محبوسة أو ربما حتى يشفوا بعض الفضول حول من تكون؛ فأنت خارج عن شكل القوالب الجاهزة المعلبة التى أعددناها مسبقا للجميع. رجال ونساء، يتساوى الطرفان فى أنهما ضحايا للقوالب المصنعة والقوالب الصنمية أو القوالب المرتبطة بالفهم الواحد والرأى الواحد والدور الواحد.

***
تدريجيا تحول السؤال ليصبح كالغصة إما أن يخنقك أو أن تلفظه بهدوء أو بعنف فكلاهما يحدد مصيرك الأوحد وهو أن يلفظك المجتمع ككل ــ وهو الأمر الأسهل فتبقى حبيس كتبك ربما أو أفكارك وبعض من تبقى مثلك من الخوارج الجدد الذين سقطوا بعيدا عن معادلة القوالب الجاهزة المصنعة فى إحدى الغرف المعتمة كما هو حال عقولهم المغلقة. هم ليسوا ما نسميهم بالإرهابيين أو بالمتطرفين أو أولئك الذين تفننوا فى أشكال التنكيل والتعذيب، بل وفى ذلك كثير من الأسى هم المتعلمون والخبراء ومن يطلقوا على أنفسهم الكثير من الألقاب المنمقة أو المنحوتة بعناية لتضفى هيبة هى الأخرى خاصة جدا ببعض قوالبهم.

***

لم نكن قبل هذه المرحلة من الانحطاط ــ فكلما قلنا هذا هو قاع الانحطاط الذى سنصل إليه وجدنا أن انحدارنا يبدو وكأنه متجه إلى أعمق الأعماق وأن لنا قاعا آخر أكثر عمقا وتدنيا ــ بعيدين عن القوالب، بل على العكس فهذا مرض لم يبدأ مع بروز ظواهر التطرف بأنواعه المختلفة بل كنا هكذا منذ سنين عدة إلا أن هذه القوالب أصبحت الآن أكثر تعقيدا، وأصبح الداخل والمنتمى لها كالمولود والخارج عنها كالفانى. فلا وجود أبدا فى هذه المرحلة من الانحطاط لمن هو بلا قالب. وأصبح السؤال ليس لأى بلد تنتمى بل ربما وبشكل غير مباشر إلى أى قالب؟ وتخرج الأسئلة متلاحقة وتبدو أحيانا غير مترابطة إلا أنها فى مجملها تحاول وبشكل مهذب جدا أن تجد قالبك المفقود والذى لا يستطيع أحد أن يضعه فى إطار خطابك الذى لا ينتمى إلى ما يقوله الجميع من السائرون نياما أو ربما شبه نيام كما هو حال القطيع!

حتى أسئلتك إن لم تصيغها فى نفس إطار القوالب فقد تتهم بالكثير والكثير أو ربما وهو الأسهل تخرج عن خارطة المجتمع؛ فلكل مجتمع خارطته المرسومة بعناية فائقة والموزعة على مجموعات ليست بالضرورة فى مجملها متشابهة، إلا أنها فى المضمون تسقط جميعا فى أحد القوالب المرسومة بعناية رغم أن الشكل الخارجى قد يوحى أحيانا بأنها مجموعات متفرقة مبعثرة أو حتى ربما مختلفة، إلا أنها فى واقع الأمر لا تخرج عن الإطار العام أو الخارطة المكتملة لمجتمع ما أو مجتمعات متشابهة، فهذه ظاهرة أخرى عابرة للحدود والدول والقارات أيضا.

***
تحاول التماهى مع بعض الأشكال العامة لتصل إلى بعض التواصل الذى تدرك تماما أن فى انقطاعه موت ليس لك ولكن لمجتمع يبدو أكثر صحة وتطلعا لمستقبل أكثر إشراقا ربما حتى ولو كان بعيدا بعيدا. فلا شىء يبدو ممكن على المستوى القريب جدا. تدرك أن الأمل هو فى استكمال طرح الأسئلة رغم أن مناهج التعليم قد ألغت كل الأسئلة ولم تبقِ إلا على أسئلة الامتحانات شديدة الغباء والبلاهة!! تلك التى تسهل على أنظمة تعليمية باهتة ــ وفى ذلك تسقط الكثير من المدارس الخاصة فى نفس الإطار التعليمى البالى هذا رغم الأموال التى تهدر ــ أن تخرج بشرا مقولبين يدركون حتى قبل أن يصلوا إلى مراحل التمرد ــ التى كانت أن عليهم أن يختصروا المسافة وربما كثير من المعاناة والعذاب وأن ينتقلوا رأسا ليصبحوا جزءا من النمط العام، لذلك فكثير من الأطفال أصبحوا يتحدثوا عكس ما تمليه عليهم سنوات عمرهم بصوت شبيه بأولئك المخضرمين والمعتقين فى القوالب المنمقة.

كان للأطفال شكل ولغة ملأها اللعب والفرح وكثير من البراءة، وكان للشباب الكثير من المشاغبات والأسئلة المحرجة أحيانا والمزعجة فى الكثير من الأوقات إلى جانب التمرد على السائد، أما الآن فقد تحولت الفئتان إلى شكل ممسوخ من المخضرمين الذين فضلوا أن يوفروا على أطفالهم. بناتهم وأبناؤهم عناء المرور بكل مرحلة فاختصروا المسافة وأصبح لا سباق لهذه الفئة إلا فى الوصول إلى ذلك القالب والجلوس والتربع فيه حتى أصبحنا نشك أنهم يولدون فى قوالبهم الجاهزة؛ ولذلك فقد خفت حدة الأسئلة وأصبح على الجميع إتقان فن التأقلم أو ربما الانزواء فى مساحة صغيرة هى ما تبقى ــ إن كان يسمح له أو لها بذلك وإلا فالطرد التام من تجمع لم يتحول بعد إلى ملامح مجتمع حقيقى بتضاريس وتقاطعات متنوعة وكذلك آراء وأفكار ربما تتصارع أحيانا وربما تتزاوج أو تتقاطع فى أحيان أخرى.

***

القوالب هى ما تخيف البعض حد الجنون فلا تعجبوا أن الكثير من الشباب يرتاد عيادات الأطباء النفسيين أكثر من ارتياده للمسارح والحفلات الموسيقية لأن هذه الفئة هى الأكثر تعرضا لخيارين؛ إما أن تكون داخل القالب الجاهز أو تخرج من جناته وتبقى ضحية لجحيم العزلة الدائمة، أو أن تعانى الكثير لأنك موضع سخرية أو تهكم أو حتى الرفض من الجميع وكأنك مصاب بمرض الطاعون القاتل. يبقى الشباب هم الأكثر ألما عندما يجدون أنفسهم أمام مثل هكذا معضلة أو مفترق طريق ويدركون أن لاختياراتهم نتائج وتبعات ستلاحقهم كضلهم أينما رحلوا وكيفما التفتوا يمينا أو يسارا.. ثم ما يلبثون أن يجهدوا من تلاطم الأمواج ولشدة الحصار عليهم وحولهم فإما الاستسلام والدخول للقالب أو العزلة أو ربما الرحيل فيما تبقى صور القوالب تطاردهم.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2021 ShoroukNews. All rights reserved