هل يكشفنا الحديث فعلًا؟

صحافة عربية
صحافة عربية

آخر تحديث: الجمعة 25 سبتمبر 2026 - 7:30 م بتوقيت القاهرة

نشرت جريدة البيان الإماراتية مقالا للكاتبة عائشة سلطان، تؤكد فيه أن الكلام المجرد والثرثرة اليومية لا يعكسان جوهر الإنسان ولا يكفيان لمعرفته حقيقةً، بل تتطلب معرفة الآخر ورؤيته بحق صدقًا، وإنصاتًا، وأفعالًا تعبر عن العقل والشخصية، مع وجود رغبة حقيقية فى فهمه كما هو دون ظواهر زائفة.. نعرض من المقال ما يلى:

من أكثر الجمل التى يتداولها أصحاب نظرية التواصل الإنسانى تلك العبارة الحكيمة المكثفة المنسوبة لسقراط: (تحدث لأراك، أو تكلم حتى أراك)! وسقراط لم يكن يقصد الحديث أو الكلام بمعناه المجرد المعروف وكذلك الرؤية ليست رؤيا العين، كان كفيلسوف يرمى إلى ما هو أبعد وأعمق، فـ«الرؤية» رؤية العقل والشخصية والجوهر، وأما الحديث فيقصد به الأفعال التى تعبر عن شخصية وتفكير ومدى عمق وحكمة الشخص أو العكس!

حكمة سقراط العميقة، فهمها البعض باعتبارها ترمى فى ملعب الحديث المعتاد والتى ترسم وتحكم نمط العلاقات اليومية بين الناس على جميع المستويات، فجاء فيلسوف آخر من حقل الأدب هذه المرة وتحديدًا من روسيا وذلك بعد عبارة سقراط بألفى عام ليفند ليس ما قاله سقراط، ولكن لمن فهم الكلام على غير تأويله، فقال (قد يكون فى أعماق المرء ما لا يمكن نبشه بالثرثرة، فإيّاك أن تظن أنك عرفتنى لمجرد أنى تحدثت إليك) ولم يكن دوستويفسكى هنا يرد على سقراط ولكن على من رأى فى أى حديث طريقة لشرح الفكر والرؤية!

فالناس لا يفعلون شيئًا بقدر ما يتكلمون، إنهم يواجهون مخاوفهم بالكلام، ويتغلبون على وحدتهم وهواجسهم ويكذبون ويدعون ويجاملون بالكلام كذلك، وهم يتكلفون الكلام ويقولون ما لا يقصدونه ولا يؤمنون به أحيانًا من باب المجاملات الاجتماعية، وهو كلام نسمعه ونرد عليه وقد نصدقه، فهل معناه أننا نراهم حقيقة من خلاله؟ هل نرى فكرهم وعاطفتهم وحكمتهم؟
إن كثرة الكلام لا تعنى بالضرورة أننا نرى بعضنا بعضًا، أو أننا نعرف حقيقة من نتحدث إليهم. فكثيرون يتحدثون طويلًا، ويتكلمون كل يوم، ومع ذلك لا يقولون شيئًا يكشفهم حقًا. فالكلام وحده لا يصنع معرفة، كما أن الصمت وحده لا يعنى الغياب.

إن رؤية الآخر تحتاج إلى ما هو أبعد من تبادل الكلمات؛ تحتاج إلى صدق، وإلى إنصات، وإلى استعداد حقيقى لأن يكشف الإنسان شيئًا من ذاته للآخر. وربما لم تعد مشكلتنا اليوم فى أننا صرنا أقل كلامًا، ولا فى أننا نتكلم أكثر مما ينبغى، بل فى أننا فقدنا شيئًا من الرغبة فى أن نرى الإنسان الذى أمامنا كما هو، لا كما نتخيله، ولا كما نريده أن يكون.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2026 ShoroukNews. All rights reserved