بائعة الجرائد
محمود قاسم
آخر تحديث:
الجمعة 25 سبتمبر 2026 - 7:25 م
بتوقيت القاهرة
منذ العام 1945 الذى تم فيه إنتاج فيلم «المظاهر» إخراج كمال سليم، وطوال 18 عامًا، أى حتى 1963، تم إنتاج القصة نفسها ثلاث مرات بواسطة ثلاثة أجيال من المخرجين، كان الفيلم الأول هو «دايما معاك» إخراج بركات، وتمثيل محمد فوزى وفاتن حمامة وعبد الوارث عسر، والمرة الثالثة والأخيرة إخراج حسن الإمام تحت عنوان «بياعة الجرايد» بطولة ثلاثة من الوجوه النسائية القديمة مثل ماجدة، ونعيمة عاكف، وليلى فوزى، مع اثنين من الوجوه الشابة هما يوسف شعبان، ويوسف فخر الدين.
القصة الأساسية المقتبسة من نص فرنسى تدور حول فتاة فقيرة فى حى شعبى، تعانى من الحضيض، ولكنها سعيدة بعلاقتها المتنافرة مع شاب من بيئتها، فقير مثلها، ويتحابان ويتزوجان فى مسكن ضيق، وفيما بعد تعثر الأم على أوراق تثبت أن زوجها السابق قد مات، ويعنى هذا أن ابنتها الوحيدة صارت مليونيرة وأن أباها ترك لها ثروة طيبة ومكانة اجتماعية متميزة، وحسب التقاليد الاجتماعية فإن هذه الابنة عليها أن تنتقل إلى حياة جديدة، فيها البزخ والمال الكثير، والمساكن الفخمة، لكن زوجها لا يوافق على الذهاب معها، فهو معتز بما يحققه بنفسه ويريد لزوجته أن تعيش بما يكسبه هو وليس ما ورثته هى، وتأخذ حياة البذخ الزوجة، وتبدأ فى مواجهة مغريات جديدة من الأبناء الموسرين فى العائلة التى صارت تنتمى إليها، هذه العائلة تتعامل مع كل شىء باعتباره سلسا سهل المنال، ابتداء من المشاعر العاطفية ، وكل سبل الحياة الاجتماعية، وتبدو الزوجة كأنها فى معزل خاص بها، فهى لا تنفصل عن زوجها، ولا تريد العودة إلى أيام الفقر الطاحن، ويتقرب إليها أحد الشباب من أسرتها الجديدة ويسعى إلى الزواج منها، لكنها تبدأ فى فهم ماذا يعنى الحب الحقيقى، فتعاود التفكير، وتتغير الآراء، وتقرر العودة إلى بيتها القديم.
حدث هذا فى فيلم «المظاهر» الذى قدمناه مسبقا فى هذا العامود، وقامت بدور الزوجة رجاء عبده أمام يحيى شاهين، وكان الزوج هنا رمزا للعامل الجاد الذى يريد أن يكسب حياته من عرق جبينه وليس من ميراث زوجته، وكم حاول استعادة زوجته ولم يستطع، وكم حاولت الفتاة أن تشده إليها ليحول المصنع الصغير الذى يمتلكه إلى شركات إنتاجية كبرى، فلم تنجح، أما فى الفيلم الثانى «دايما معاك» فإن الزوج هو شاب مغرم بالفتيات يعمل سائق قطار وله فى كل محطة حبيبة، يكذب عليها ويوهمها بالحب، وهذه التفصيلات غير موجودة فى النص الأساسى، فهو يتوب عن تصرفاته بعد أن يكتشف زميله سائق القطار أنه يواعد ابنته ويشغلها، على جانب آخر، فإن هذا الشاب يعثر ذات يوم على فتاة هاربة من الشرطة، والسبب أن أختها تدفعها هى وزوجها للقيام بأعمال السرقة والسطو على المنازل، فيسعى سائق القطار إلى أن يأخذها لتعيش معه فى إسطبل مع مجموعة من الأصحاب، وتنمو قصة الحب بين الطرفين، ولكنها تكتشف ذات يوم أنها من عائلة غنية جدا، وأنها يمكنها أن ترث الكثير من المال، وتتغير أحوالها وتذهب إلى عالمها الجديد ـ وتعيش عيشة الأغنياء، إلى أن تكتشف أن الحياة فى الإسطبل أفضل، وأن هذا الشاب صائد الفتيات يحبها بالفعل.
إذا فنحن أمام قصة واحدة وثلاثة من المخرجين المتميزين، لكل منهم أسلوبه ومدرسته ونجومه المفضلون، وفى فيلم «بياعة الجرايد» فإن الفيلم يقدم تحية لمهنة لم تكن منتشرة كثيرا فى العقود الأسبق باعتبار أن نعيمة تمارس عملها بشرف وتقع فى حب سلامة الذى سوف يظل حتى اللحظة الأخيرة بائعًا للصحف، فهى بعد رفضها العودة إلى الحى الفقير، فإن سلامة يصحو ذات يوم على صوت امرأته وهى تنادى بالشارع على بضاعتها: أخبار، أهرام، جمهورية، حدث ذلك فى أيام كان الباعة يتاجرون بالمادة الصحفية عن طريق النداء وسط الميادين والشوارع، حيث كان البيع يعتمد على العناوين الساخنة، ولعلنى أذكر فى تلك الفترة ما كان يردده الباعة حول السفاح السكندرى محمود أمين سليمان، الذى قدمت السينما قصة حياته فى فيلم «اللص والكلاب»، بمعنى أننا يمكننا قراءة هذا التاريخ القريب، فهذه مهنة كانت موجودة فى شوارعنا بكثرة، وكان أصحابها يمارسونها بفخر طوال ساعات النهار، ففى أول اليوم هناك الجرائد الصباحية، وفى آخر النهار هناك المسائية، وهكذا تحرك الزمن حتى يومنا هذا.