نتنياهو.. ٤٤ دقيقة من الكذب التاريخى
عماد الدين حسين
آخر تحديث:
الجمعة 25 سبتمبر 2026 - 7:30 م
بتوقيت القاهرة
مساء الخميس الماضى، نجح رئيس الوزراء الإسرائيلى بنيامين نتنياهو فى حجز المركز الأول فى سباق أكثر السياسيين كذبا ربما على مر التاريخ.
نجاح نتنياهو كان بالصوت والصورة وأمام كل العالم خلال كلمته التى ألقاها فى الاجتماع السنوى للجمعية العامة للأمم المتحدة واستغرقت ٤٤ دقيقة.
فى هذا الوقت كنت ضيفا فى استديو قناة «بى بى سى» البريطانية بالقاهرة للتعليق على الكلمة، استمعت إليها من خلال مترجم القناة بإنصات شديد لمدة ٤٤ دقيقة تقريبا، ولولا الصبر والتحمل وطبيعة المهنة لانفجرت غضبا من حجم الأكاذيب غير الطبيعية التى حفلت بها الكلمة من بدايتها إلى نهايتها. حاولت بقدر المستطاع أن أكون موضوعيا، وأبحث عن كلمة أو عبارة أو بيان أو رقم أو جملة صحيحة وصادقة فى الكلمة ففشلت.
وحينما خرجت من القناة وبدأت أبحث عن ردود الفعل بين المعلقين والسياسيين الإسرائيليين فوجئت بأن عددا منهم ساورهم نفس الشعور. واتفقوا جميعا، ومعهم ٥ ضيوف كانوا معى فى الاستديو، على أن نتنياهو ارتكب أكبر قدر من الأكاذيب، بل إن أحدهم وصف الكلمة بأنها أكبر كذبة فى التاريخ أو كذبة القرن.
المؤكد أن المستهدف الأول والرئيسى من أكاذيب نتنياهو كان موجها بالأساس إلى الإسرائيليين، خصوصا إلى الناخبين وبالأخص إلى المتطرفين منهم، وذلك قبل الانتخابات المقررة بعد شهر تقريبا من الآن، وتشير معظم استطلاعات الرأى إلى أن حزب الليكود الذى يقود الائتلاف الحالى سوف يخسر الانتخابات، وقد لا يتمكن حتى من تشكيل حكومة ائتلافية. ونتيجة لذلك فإن نتنياهو استخدم كل مهاراته ومراوغاته وأكاذيبه لكى يخاطب عواطف الإسرائيليين فى الداخل والخارج، مع التركيز أساسا على استمرار دعم إدارة الرئيس الأمريكى دونالد ترامب له.
حينما دخل نتنياهو إلى قاعة الأمم المتحدة فى نيويورك خرج العديد من قادة ومسئولى عدد كبير من الدول، خصوصا العربية والإسلامية للعام الثانى على التوالى احتجاجا على مجزرة القرن التى ارتكبها الجيش الإسرائيلى فى قطاع غزة منذ ٧ أكتوبر ٢٠٢٣ حتى الآن بهدف ليس فقط منع قيام الدولة الفلسطينية ولكن تهجير الفلسطينيين من القطاع والضفة الغربية.
خطاب نتنياهو كان انتخابيا صرفا وعاطفيا بطريقة مملة بدأه بالحديث عن مقتل أخيه يونى خلال محاولة إنقاذ ركاب طائرة إسرائيلية اختطفها فلسطينيون وذهبوا بها إلى أوغندا عام ١٩٧٧، وكيف أن أخاه قال له قبل حرب يونيو ١٩٦٧: «سوف ننتصر لأنه لا يوجد لنا مكان آخر نذهب إليه» وهى العبارة التى كررها نتنياهو عشرات المرات خلال كلمته ضد أعداء إسرائيل.
ويعلم الجميع أن غالبية سكان إسرائيل منذ عام ١٩٤٨ جاءوا إليها من بلدانهم الأصلية، خصوصا شرق أوروبا والبلاد العربية، وحاولوا ويحاولون قتل وتهجير سكانها العرب الأصليين.
هاجم نتنياهو الأوروبيين الذين اعترفوا بالدولة الفلسطينية، وقال إنهم هم المستعمرون وأنهم ينافقون العرب.
أكبر أكاذيب نتنياهو خلال كلمته، قوله إن الذين نفذوا عملية طوفان الأقصى فى ٧ أكتوبر ٢٠٢٣ ذبحوا واغتصبوا النساء والأطفال الإسرائيليين، وهو الأمر الذى لم تثبت صحته إطلاقا. نعم العملية أدت إلى مقتل نحو ١٢٠٠ إسرائيلى، لكن نتنياهو لم يذكر إطلاقا أنه وجيشه قتلوا ٧٤ ألف فلسطينى وأصابوا ١٧٥ ألف آخرين، هو قال إن عدد الضحايا الإسرائيليين مقارنة بسكانها يساوى ١٪ من سكان أمريكا، لكنه نسى أن عدد الضحايا الفلسطينيين الذين قتلهم قد يساوون ملايين الأمريكيين.
يكذب نتنياهو ويقول إن حزب الله وإيران وجها ١٥٠ ألف صاروخ باليستى ضد إسرائيل، لكنه ينسى أنه من بادر إلى مهاجمة إيران فى يونيو من العام الماضى، ثم عاد مرة أخرى هو وإدارة ترامب إلى شن حرب واسعة النطاق على إيران فى ٢٨ فبراير الماضى، ما تزال مستمرة حتى الآن، هل يعتقد أنه سيهاجم إيران ثم لا ترد عليه؟!!
أما أكبر أكاذيب نتنياهو فهى قوله إن الإرهابيين الفلسطينيين يقتلون الإسرائيليين فى الضفة الغربية، وإنهم يطلقون النار على الأسر الإسرائيلية المسالمة.
هذا الكذاب الأشر ينسى أن الضفة هى أرض فلسطينية محتلة طبقا للقانون الدولى، وطبقا لاتفاق أوسلو الذى وقّعت عليه إسرائيل فى عام ١٩٩٣. وحكومته تستولى كل يوم على أرض جديدة وتقيم عليها المستوطنات. ويدعم وحشية المستوطنين لطرد الفلسطينيين من الضفة.
يخاطب نتنياهو عمدة نيويورك زهران ممدانى ويقول له، إن اليهود فى أمريكا لا يشعرون بالأمان رغم أن الأخير تعامل معهم بتحضر شديد، فى حين أن شعوب فلسطين ولبنان وسوريا ليست فقط لا تشعر بالأمان، بل تتعرض للقتل والدمار والاحتلال فى كل لحظة.
لم يكذب نتنياهو فقط فيما يتعلق بالحاضر، بل امتدت أكاذيبه إلى آلاف السنين الماضية ووجه اتهامات للفراعنة والبابليين، متوعدا بغزو وإسقاط وتدمير كل من يقف فى وجه أكاذيبه وأكاذيب نظامه العنصرى الفاشى.