الإدارة الكنسية.. بين الجماعة الوطنية ونظام الملة (2)

طارق البشرى
طارق البشرى

آخر تحديث: الإثنين 25 أكتوبر 2010 - 10:41 ص بتوقيت القاهرة

(4)

كل ذلك يفيد بظهور إرادة سياسية لدى الإدارة الكنسية، تواجه بها سلطة الدولة وتحل محلها فى شأن الأقباط الأرثوذكس فى مصر. ونحن هنا لا نتجادل فى أمر يتعلق بعلاقة مسلمين بأقباط، إنما نتجادل حول شمول الجماعة المصرية لكل مشتملاتها، ورفض أن يوجد فى هذه الجماعة ما يفرز عناصر منها عن جمعها كله من حيث كونها جماعة سياسية.

وإن أهم ما يتصل بالجماعة الوطنية الواحدة أنها تقوم عليها دولة واحدة تنبسط سلطتها على الجمع كله، فإذا انحسرت سلطات الدولة بهيئاتها عن فريق من الجماعة تكون انشقت الجماعة ولم تعد تكوينا واحدا. وانه فى أى مجادلة بين شأن إسلامى وشأن مسيحى، إنما يكون معيار المواطنة هو ما يقوم به الجدل بحسبانه الجامع المشترك والموحد، ويكون التخاطب بالوصف الشامل وبما يتيحه من معايير وضوابط وقيم يتعين ان تنسبغ على الجماعة فى عمومها.

لا أريد أن أشغل القارئ كثيرا بأحاديث سابقة، إلا ما يسمح به المقام ليتبين الدلالة السابق الإشارة إليها عن معايير المواطنة الحاكمة للجماعة. وفى هذا الصدد أذكر أننى كنت أعددت دراستين نشرتهما، فى المجالات الدورية سنة 2004، ثم كانا مما جمعته فى كتاب صدر عن دار الهلال فى أبريل سنة 2005، وكلتا الدراستين كانتا تتعلقان بمسألة وفاء قسطنطين وما لابس ذلك من ظهور الإدارة الكنسية بمظهر من يمارس سلطة الدولة على بعض رعايا هذه الدولة من المسيحيين. وبهذا المنطق أنقل هنا عددا من العبارات أتت تعليقا على موضوع وفاء قسطنطين وتسلم الكنيسة لها وإيداعها فى منشآتها.

ان الكنيسة «بدت لدى الجميع متميزة تبغى الانفراد والعزلة والسيطرة»، وهذا أمر لم نعرفه قط فى العهود السابقة عن الكنيسة»، أنها تورطت فى تأكيد الخصومة مع عدد من أجهزة الدولة»، «إن نشاط الإدارة الكنسية فى هذه الفترة الاخيرة تجاوز فى العمل السياسى ما يمكن أن تصنعه الأحزاب السياسية» لأن الاحزاب السياسية تدعو إلى سياسات ولا تنفذها وتنشد الوصول إلى السلطة لكى تنفذ هذه السياسات من خلال أجهزة الدولة القائمة، ووفقا للخريطة الدستورية المرسومة،

أما صنيع الكنيسة فى الحالات المذكورة فهو أنها تنزع من سلطة الدولة بعضا منها أو تضغط على الدولة الضعيفة لتسلم إليها جزءا من سلطتها. والكنيسة القبطية لم تكن لها هذه السلطة قط حتى قبل مجىء الإسلام مصر (كتاب الجماعة الوطنية بين العزلة والاندماج، ص218، ص226 ــ 227)،

ثم هناك موضوع «تفرد الكنيسة وحرصها على أن تكون هى المؤسسة القبطية الوحيدة دون تكون أو تشكل قبطى مؤسسى آخر»، بمعنى أنها صارت إلى مصادرة الشأن القبطى واعتبرته شأنها لا من الناحية الدينية الاعتقادية التعبدية فقط، ولكن من الناحية الدنيوية الخاصة بالحكم وممارسة الشئون الحياتية اليومية (الكتاب السابق ص230 ــ 231).

والحاصل أن الدولة المصرية التى لم تتمسك فى سياستها الداخلية بشىء قط خلال الثلاثين سنة الأخيرة، إلا بمحاربتها للاتجاه الدينى فى السياسة، وتعاملت مع هذا الأمر بكل حزم وقسوة، قد سمحت بنشوء هيئة دينية قبطية وسمحت بتجاوز الهيئة القبطية النشاط الدينى إلى النشاط السياسى ثم تجاوز النشاط السياسى الحزبى إلى ممارسة بعض من شئون سلطة الدولة، وأن الدولة حرمت على المسلم السياسة رغم أن عقيدته تجمع بين الدين والسياسة، وأباحت للكنيسة العمل السياسى رغم ان عقيدتها تفصل بين الدين والسياسة، وحرمت السياسة على من ليس فى عقيدته رجال دين، وأتاحت السياسة لمن فى عقيدته رجال إكليروس (ص 246).

انا استشهد هنا بشهادتين لكاتبين متميزين معروفين تماما، احدهما صحفى سياسى لامع هو الأستاذ إبراهيم عيسى، والثانى روائى لامع ذو قلم سياسى ناضج هو الدكتور علاء الأسوانى، وكلاهما من جيل آخر تالٍ، وكلاهما ذو توجه وطنى وقومى يحتكم فى معاييره وتقديراته إلى معايير المواطنة والجامعة الوطنية ويصدر عن صالحها العام:

يذكر الأستاذ إبراهيم عيسى: «أن الأقباط الذين يرفضون تدخل الدين الإسلامى والشريعة الإسلامية فى الحكم يلجأون هم أنفسهم إلى شريعة وحزب الكنيسة، فالكنيسة هى أكبر حزب دينى فى مصر رغم أن شعارها رفض الحزب الدينى»، و«اختلط الأمر بين كون البابا شنودة زعيما روحيا للأقباط إلى كونه زعيما سياسيا»، «الأقباط الذين يرفضون الدور السياسى للمساجد هم الذين يحولون الكنائيس إلى ملاجئ سياسية واجتماعية للأقباط»،

وهم ينادون بفصل الدين عن الدولة وهم «أول من يدمجون الدين بالدولة حين يمنعون الدولة عن الاقتراب مما يعتبرونه شئونهم الدينية ثم هم يصبغون كل شئونهم بالصبغة الدينية» (الدستور 16/12/2008 ص3)، كما ذكر «أن البابا احتكر أقباط مصر للكنيسة ولشخصه طول السنوات الماضية، وساهم سواء بحضوره الطاغى أو بمواصفات الزعيم التى يمتلكها وبذكائه المؤكد فى تحول الأقباط إلى مواطنى كنيسة وليس شعب كنيسة، وتمازج دور الكنيسة الدينى ودروها السياسى» (الدستور 27/10/2008 ص1).

والدكتور علاء الأسوانى، بعد أن تحدث عما فى المجتمع من تفرقة لغير صالح المواطنين الأقباط، ذكر ان الأقباط إذ يعانون مما يعانى منه المصريون جميعا، إلا أن الناشطين منهم «يطالبون بتحقيق مطالب الأقباط بمعزل عن مطالب الأمة»، وأن «الاقتصار على المطالبة بها سلوك سلبى يخرج الأقباط من السياق العام للحركة الوطنية ويجعل منهم مجرد طائفة صاحبة مصلحة مستقلة»، ومع ما عبر عنه من تقدير عميق للأنبا شنودة ذكر «أعتقد أن الكنيسة فى الفترة الأخيرة قد تجاوزت دورها كسلطة روحية لتتحول إلى ما يشبه الحزب السياسى». (الدستور 20/8/2008 ص24).

•••


(5)



ويبدو أن الأمر لا يقتصر على النزوع السياسى للكنيسة وممارستها بعض المظاهر التى لابد أن تحتكرها الدولة دون سواها فى أى مجتمع واحتكار الكنيسة لما يمكن أن نسميه الآن الجماعة القبطية. فقد ترددت فى الصحف أحاديث عن تنظيمات شبابية قبطية. وقد نشرت صحيفة صوت الأمة فى 13/3/2010 تحقيقا أعده عنتر عبداللطيف ومايكل فارس، ووصف شباب التنظيمات القبطية بأنهم «ميليشيات قبطية»،

ونشر عددا من الصور الفوتوغرافية لجماعات يرتدون قمصانا ملونة بعضها عليه رسم رأسين أحدهما بداخله صليب والآخر بداخله مسدس، بما يشعر بأن القبط فى خطر حربى على معتقدهم من غير القبط فى مصر، وورد بالتحقيق أن تنظيم «الأمة القبطية» الذى ظهر فى أوائل خمسينيات القرن العشرين كان شعاره «الإنجيل دستورنا»، وكان يهدف لتكوين أمة سياسية قبطية فى مصر منفصلة عن مسلميها، وبلغ أعضاؤه وقتها نحو 92 ألف عضو.

والآن يتبنى بعض شباب القبط ذات المبادئ أو بعضها وبلغ العدد نحو 300 ألف شخص، وان الحركات التنظيمية ما يعرف باسم «أقباط مصر أجل مصر» وان ثمة حركة تقوم على ثلاثة وجوه للثورة، ثورة روحية وفكرية وفعلية.

وثمة حركة منظمة هى «الكتيبة الطيبية» يرتدى أعضاؤها قميصا أسود عليه مفتاح الحياة الفرعونى، ومنظمة أخرى باسم «صوت المسيحى الحر» يرتدون قميصا بنى اللون عليه صليب كبير، وتنظيم باسم «الأقباط الأحرار»، وقيل إنها حركات لا تندمج مع المسلمين حفاظا على هويتها، وأن القمص متياس نصر منقريوس راعى كنيسة عزبة النخل هو أحد داعمى حركة «الكتيبة الطيبية» وأن المقصود بثورة الروح إيقاظ الروح القبطية القديمة «وأرواح شهداء الدين على اسم المسيح»،

والمقصود بثورة الفكر رفض فكرة الذمية والتأكيد على المواطنة، وبثورة الفعل «خروج الشباب القبطى للشارع» وأن الهيئة التأسيسية لحركة «أقباط من أجل مصر» تتكون من تسعة أعضاء ذكرت اسماؤهم، ومنهم عزيز الجزيرى، رئيس جبهة المليون لحقوق الإنسان، وأن الحركة هى وجه سياسى للأقباط، وان الحركات كلها توحدت بعد حادث نجع حمادى وهى تعد بالآلاف ومنها من بلغ عشرة آلاف عضو.

ونحن نلحظ فى هذا السياق، أن سياسة الكنيسة القبطية فى هذه المرحلة، لا تقوم على دمج القبط فى الجماعة الوطنية المصرية، وإنما على فرزهم ليصيروا شعبا لها، لا بالمعنى الدينى المتحقق فعلا، ولكن أيضا بالمعنى الدنيوى الحياتى المتعلق بتشكيل جماعة سياسية، جماعة قد لا أقول منفصلة، ولكنها جماعة متميزة ومنعزلة تشكل الكنيسة واسطة بينها وبين الدولة المصرية، وتكون متشكلة من جموع الأقباط فى مصر وتخضع لهيئة مؤسسة وحيدة هى الكنيسة، أو بعبارة أدق ما سبق أن سميته «الإدارة الكنسية» كهيئة متميزة عن الوظيفة الدينية للكنيسة، والبطريرك عندما يسأل عن مدى إمكان تولى القبطى رئاسة مصر، لا يقول مثلا إنه يتعين أن يسوى بين المصريين جميعا فى شرط تولى الرئاسة وإمكان ذلك بجامع المصرية، إنما يقول «لا يجوز ذلك لأن الأغلبية العددية مسلمة ولا يجوز ان يحكمها قبطى ليمثل الأغلبية العددية» (صحيفة الشرق الأوسط 27/7/2009)، فهو يتكلم بطريقة بعض الجماعات الدينية الإسلامية فى هذا الشأن، كما لو كان يستبطن معقولية الفرز الدينى عن الجماعة الوطنية والانفصال عنها.

وهو كثيرا ما يشير فى أحاديثه إلى ان العلاقات بين المسلمين والقبط «ليست طيبة فى مجملها»، ثم يقول: «قد يكون هناك علاقات صداقة وعلاقات طيبة بين مسلمين وأقباط، ولكن حين تأتى ساعة الاختيار فى الانتخابات فإن المسلم لن يختار القبطى مرشحا»، مكررا أن العلاقات بين جانبين وهى ليست طيبة (المصرى اليوم 28/1/2009 ص1)، وهو بذلك يتحدث عن واقع لا يسعى لتغييره ولا ينظر فى إمكانات تغييره ولا يستحضر أن مصر لم تكن كذلك فى عهود سابقة وعهود، كما هو يتحدث عنه كما لو أنه يريد أن يرتب على ذلك نتائج العزلة بحسبانها من طبيعة الأوضاع.

هذا المسلك الانسلاخى، يتعاصر مع شدة الحماس لدى الكنيسة والبطريرك والمتحدثين عنهما أو باسمهما من رجال الأكليروس للرئيس محمد حسنى مبارك وابنه جمال، وعملهم على الولوج، الصريح للحديث السياسى دعما للرئيس ونجله من جانب الكنيسة والقبط، ووعدا مدعما فى أى انتخابات أو منتديات سياسية مقبلة. وقد رأينا كيف لجأ بالبطريرك إلى الرئيس ليستخدم سلطته الفردية الاستبداية فى عدم تنفيذ أحكام المحاكم الصادرة من سلطة القضاء المستقل دستوريا عن الرئيس، ولإصدار ما يرى من قوانين ضغطا على السلطة التشريعية المستقلة دستوريا عن الرئيس كذلك («التماس البابا إلى الرئىس لرفع ظلم حكم المحكمة الإدارية العليا» صحيفة المصرى اليوم 8/6/2010)، وأحداث أخرى عن قوانين الأحوال الشخصية).

وهذا فى ذاته حسبما يظهر من العرض السابق، ليس انصياعا من الإدارة الكنيسة لسلطة الدولة المصرية بهيئاتها ومؤسساتها القانونية والدستورية، ولا يشكل اعترافا بهذه السلطة الشرعية على الكنيسة بوصفها هيئة مصرية من هيئات المجتمع المصرى الخاضعة للدولة، إنما هو نوع من استدرار الدعم الشخصى للرئيس بموجب ما يستبد به من سلطة فعلية منفردة لعقود ثلاثة من السنين، وهو نوع من الموالاة له للاستفادة من مراعاته الأوضاع الدولية ومن قبضته المسيطرة على أجهزة الدولة المصرية، الاستفادة من ذلك للمزيد من دعم الهيمنة الذاتية للكنيسة على شئون القبط والإفلات بهم من سيطرة مؤسسات الدولة وهيئاتها، استقلالا بشئون الأقباط.

•••


(6)




الدول فيما نعلم هى جماع عناصر ثلاثة، فهى شعب على أرض عليه حكومة، أى أن ثمة سلطة سياسية ذات قرارات محددة تسرى على شعب فى نطاق أرض تمارس فيها هذه السلطة. وأنا طبعا لا أقول بظهور أشياء من هذا القبيل فى المجال الذى نتحدث عنه وبالمعنى الكامل الصريح، ولكن ما أشير إليه أن ثمة وجها من أوجه الزيادة والتراكم فى كل من هذه العناصر، فثمة تخليق لكيان سياسى ذى سلطة اتخاذ قرار على جماعة شعبية محدودة، وأن هذه السلطة تسعى إلى نوع وإلى درجة من درجات الحيازة لهذه الجماعة، وأن الإدارة الكنسية تعمل على ممارسة هذا الأمر وتوسعه، وأنها صارت ذات إرادة سياسية تنسلخ بها عن مؤسسات الدولة المصرية، قضاء وتشريعا، بادئه طبعا بالشأن الذى يمكن وصله بأمر دينى، وأن ما لم تمارسه فى ذلك تعبر عنه تعبيرا ظاهر المعنى وتتوجه به إلى من تعتبره شعبها ليشكل تكوينا واقعيا لديه.

إن هذا الوضع يعود بنا إلى نظام الملة الذى عرفه المجتمع الإسلامى قديما، بحسبان أن طائفة ما هى ما يدير شئون نفسه بنفسه بواسطة من تراهم من رجالها، حسب التنظيم الداخلى الذى تفرضه عليهم الاعراف المتبعة لديهم، وهو يعزل هذه الجماعة عن جمهور الناس فى البلد الذى يحيون فيه، إنه نوع من الإدارة الذاتية لشئون هذه الجماعة بلا أرض متميزة تسكنها وتقيم عليها. وهو لا تتاح له أرض محددة تكفى لتقيم فيها الجماعة الشعبية المعينه، ولكنه يحتاج «لأماكن» محدودة لا لإقامة الجماعة أو الجمهور، ولكن لتكون مجالا مكانيا لتمارس فيها سلطة صاحب القرار، بحيث ينفرد صاحب القرار بالنفوذ والسطوة عليها.

ولقد جاهدنا جهادا تاريخيا ــ بمسلمينا ومسيحيينا ــ على طول القرنين التاسع عشر والعشرين، لكى نتجاوز نظام الملة وننشئ الجماعة الوطنية المصرية بما يكون لدولتها من هيمنة على جميع المواطنين بها وبالتساوى فى المعاملة، سواء فى الشئون الخاصة أو شئون الولايات العامة. ولقد جاهد المسلمون منا فى التجديد فى الفقه الإسلامى بما يسع مفهوم الجماعة الوطنية وأوضاع المساواة الكاملة فى الولايات الخاصة والعامة وفى فرصها، وإن اختلفت الأديان.

وبعد ان استقر هذا الوضع كأصول ثابتة فى الفكر السياسى السائد لدى النخب المعبرة عن الرأى العام الفعال والفكر الراجح لديه، فوجئنا من بعض القائمين على الادارة الكنسية، بمن يريد العودة من جديد لنظام الملة ويسنده إلى أسس إسلامية يراها جديرة بالاتباع. وهذا ما سبقت الإشارة إليه فى الفقرات السابقة.

على أى حال، فثمة ما يتعين متابعته بالنسبة لما يسمى بعنصر الأرض فى القانون الدولى، ما نسميه بعنصر «المكان» فى نظام الملة. ونحن نعلم استحالة تحيز المسيحيين من أهل مصر فى إقليم معين، لأنهم منتشرون وشائعون بين المصريين جميعا فى محافظات مصر ومدنها وريفها، ولأن أكبر كثافة مسيحية فى أى إقليم لا تزيد أو تدور بين الربع والثلث فى قلة من الوحدات الإدارية، والأرض هنا لا تفيد حصرا جغرافيا لجماعة دينية فى أى من أقاليم مصر، ولا يبقى إلا أماكن يمكن أن تمارس منها السلطة السياسية وتدار الشئون.

ونحن نعرف أن وفاء قسطنطين احتجزت وأودعت فى أحد أديرة وادى النطرون، كما ذكر ذلك بعض رجال الكنيسة انفسهم فى سنة 2004، وان كاميليا فى سنة 2010 (سواء كانت أسلمت أو بقيت على مسيحيتها فهى مواطنة مصرية) أودعت أيضا أحد هذه الأمكنة. وفى هذا ممارسة لسلطة سياسية، أو بالأقل سلطة إدارية، وكلاهما من الناحية القانونية يعتبر سلطة عامة ليست مخولة للكنيسة فى النظام المصرى.

ونحن نعرف مثلا أن دير ماريوحنا الكائن بصحراء طريق القاهرة والسويس عند الكيلو 30 والبالغة مساحته مائة فدان، تبث منه قناة أغابى الفضائية ويحتوى على أماكن إدارتها، كما خصص فيه مساحة أربعة أفدنة لمركز إعلامى مزمع إنشاؤه، وان القناة الفضائية CTV التى انشأها رجل الأعمال الأستاذ ثروت باسيلى وكيل المجلس المللى، تبث برامجها من خلال كنيسة العذراء مريم بمدينة السلام.

(مجلة الإذاعة والتليفزيون 11/7/2009 ص38، مجلة آخر ساعة 3/6/2009 ص36)، وهى قنوات يقتصر البث منها على البرامج الدينية، ولكن وجه الملاحظة ان إدارة الإعلام ومراكزه والمقار التى يبث منها، هى أمور إدارية لا تتعلق بالجوانب العقائدية والعبادية التى تمارس فى الكنائس والأديرة، ومع ذلك أودعت هذه المهام بدور العبادة لتكون تحت السيطرة الكنسية المنفردة.

وإن الملاحظ ان الأديرة تتوسع فى حيازة الأرض الصحراوية أو المستصلحة وضمها إليها فى نطاق أسوار الدير، وهذا ما حدث مثلا لدير الأنبا انطونيوس على ساحل البحر الأحمر إذ استحوذ على 1500 فدان ضمت ضمن أسواره.

وكذلك دير طريق مصر السويس وغيرهما كدير الساحل الشمالى. ولكى أوضح ما أريد ذكره، فإن الدير أو الكنيسة شأن أى منهما كشأن أية هيئة مصرية، لها أن تحوز وأن تمتلك ما رخصت به القوانين المصرية لامتلاك المصريين له وبالحدود والضوابط التى وضعتها هذه القوانين وتحققها جهات الإدارة التى تتولى الإشراف على هذا الأمر، فإذا اختلف أحد مع هذه الجهات فيما يعتبره حقا له فى امتلاك أرض ما، كان سبيله إلى المحاكم متاحا لاستخلاص ما يطالب به بعد ان يبذل جهده فى تقديم ما يثبت للمحكمة أحقيته. ولكننى هنا اعرض للأمر من ناحيتين، أولهما هى كيف تتعامل الكنيسة فى هذا الأمر مع أجهزة الدولة وهيئاتها، وثانيهما الماهية القانونية للنشاط الذى تريده الكنيسة وحدوده. وهذا ما أثارته متابعة أحداث دير «أبوفانا» بالمنيا.

وقبل الحديث عن دير «أبوفانا» أذكر واقعة عاصرتها شخصيا عندما كنت رئيسا لإدارة الفتوى للزراعة والإصلاح الزراعى واستصلاح الأراضى بمجلس الدولة فى أوائل الثمانينيات من القرن العشرين. وكان من عملنا الاشراف القانونى على تطبيق القانون رقم 100 لسنة 1964 بشأن أراضى الدولة، والقانون رقم 143 لسنة 1981 بشأن الأراضى الصحراوية، وما يفيده من امتلاك أى من الأفراد والهيئات ما يكون استصلحه أو أقام عليه منشآت قبل تاريخ معين، والمشرف على ذلك هو الهيئة العامة للتعمير والتنمية الزراعية، فإذا اختلف معها طالب الملكية رفع دعواه أمام لجنة قضائية مختصة بذلك، وعندما تقضى اللجنة يحال حكمها إلى مجلس الدولة لدينا للنظر فى سلامته القانون وعرض الأمر على جهة التصديق على قرار اللجنة. وفى هذا السياق عرض علينا بمجلس الدولة قرار اللجنة عن مساحة كبيرة كان «دير أبومقار» طالب بها لأنها تحت حيازته بدليل ما بها من منشآت مسيحية كالصوامع والقلايات القديمة.

استوقفنى ما ذكره محامو الدير فى دفاعهم إثباتا لملكية الأرض، أن بها صوامع وقلايات منذ خمسة عشر قرنا، ورجال القانون يعرفون انه إذا حاز شخص أو هيئة خاصة أرضا حيازة هادئة مستقرة ظاهرة بغير نزاع خمس عشرة سنة يحكم له بملكيتها، والقانون 143 سالف الذكر يكفى فيه إحياء الأرض الموات بمنشآت أو زراعات قبل آجال حددها حتى يحكم بالملكية الخاصة.

ولكن ما استوقفنى هو القول بأنها خمسة عشر قرنا، لأن الخمسة عشر قرنا لا تولد حقا خاصا لفرد، إنما تولد حقا لشعب، والشعب هو الشعب المصرى جميعه، لأن الحق هنا ليس مجرد حق قانونى بل هو حق سياسى، و«المنشآت» هنا تعتبر ملكا للشعب كالأهرام ومبانى الأزهر ومبنى مسجد السلطان حسن ومبانى القلعة وهكذا فهى آثار، والآثار لا تباع ولا تشترى ولا تملك ملكية خاصة، إنها ملك عام خارج عن مجال التعامل فى ملكيتها.

وكان هذا هو ما ينظمه قانون الآثار المعمول به وقتها والصادر فى سنة 1951، وهو صريح العبارات فى كل ذلك. لم أرد أن انفرد برأيى فى هذا الشأن فرفعت دراسة به إلى هيئات الافتاء العليا بمجلس الدولة وناقشته مع زملائى فيها، وانتهينا جمعيا إلى عدم جواز تملك هذه المنشآت لخضوعها لقانون الآثار وبحسبانها ملكا عاما خارجا عن إطار التعامل، والحكومة هى من يشرف عليها.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2024 ShoroukNews. All rights reserved