إنى أرى فى الكتاب ما لا ترون

سمير عمر
سمير عمر

آخر تحديث: الأحد 25 أكتوبر 2026 - 7:35 م بتوقيت القاهرة

فى كتاب «الوافى بالوفيات» للإمام الصفدى قصة طريفة عميقة الدلالة عن العَالِمَين الجليلين الحسن البصرى ومحمد بن سيرين.

يروى الصفدى أنه كان بين العَالِمين خصامٌ، فكان إذا ذُكِرَ «ابن سيرين» عند الحسن البصرى يقول: دعونا من ذكر الحاكة!

يعنى «متجيبوش سيرة الخياطين» حيث كان بعض أهل ابن سيرين يعملون بالحياكة أى نسج الثياب.

وفى إحدى الليالى رأى الحسن البصرى فى منامه كأنه عريان، وهو قائم على مزبلة يضرب بالعود.

فأصبح مهمومًا برؤياه التى لم يعرف لها تفسيرًا.

وكان ابن سيرين كما هو معروف من أشهر من فسر الأحلام، فقال الحسن البصرى لأحد أصحابه: اذهب إلى ابن سيرين وقُص عليه «الرؤيا» على أنك أنت رأيتها.

فدخل الرجل على ابن سيرين وحكى له الرؤيا طالبًا تفسيرها.

فقال ابن سيرين للرجل: قل لمن رأى هذه الرؤيا: لا تسأل الحاكة عن مثل هذا!

يعنى لا تسأل الخياطين عن رؤياك طالما أنك تخاصمهم وتسخر منهم،

فعاد الرجل إلى الحسن البصرى وأخبره بما قاله محمد بن سيرين.

فما كان من البصرى إلا أن قال لأصحابه: هيا بنا لنذهب إلى ابن سيرين.

فلما رآه ابن سيرين قام إليه وحياه وتصافحا وجلسا يتعاتبان.

ثم قال الحسن البصرى: دعك من هذا وأخبرنى بتأويل الرؤيا فقد شغلتنى والله.

فقال ابن سيرين: لا تشغل قلبك، فإن العُرى هو عرىٌ من الدنيا، ليس عليك منها عُلقة «يعنى انت لا تتعلق بها ولا تشغل بالك».

وأما المزبلة فهى الدنيا وقد انكشفت لك أحوالها، فأنت تراها كما هى فى ذاتها، وأما ضربك بالعود، فإنها الحكمة التى تتكلم بها وينتفع بها الناس.

فقال له الحسن البصرى: فمن أين لك أنى أنا رأيت هذه الرؤيا؟

فقال ابن سيرين: لما قصها علىَّ صاحبُك، فكرت فلم أرَ أحدًا يصلح أن يكون رآها غيرك.

وعلى هذا النحو عاد الصفاء بين الحسن البصرى وابن سيرين حتى رحل الأول عام 728 هجرية ولحق به الآخر فى العام التالى.

ومن «البصرة» حيث عاش الحسن البصرى وابن سيرين إلى «حلب»، التى شهدت واقعة أخرى قبل ذلك بنحو مئتين وخمسين عامًا، ويرويها «ابن خلكان» فى كتابه الشهير «وفيات الأعيان».

كان «سديد الملك»، وهو أول من ملك قلعة شَيزَر من بنى منقذ موصوفًا بقوة الفطنة وتنقل عنه حكاية عجيبة، وهى أنه كان يتردد إلى «حلب» قبل تملكه «شيزر» وصاحب حلب فى هذه الأثناء هو تاج الملوك محمود بن صالح بن مرداس، فجرى أمر خاف «سديد الملك» على نفسه منه فخرج من حلب إلى طرابلس الشام.

وكان محمود بن صالح يريد به شرًا فطلب من كاتبه «أبى نصر محمد بن الحسين» أن يكتب رسالة إلى «سديد الملك» يدعوه فيها إلى العودة إلى حلب لأنه يريده فى أمر هام، لكن الكاتب الذى كان صديقًا لسديد الملك وحين علم بنية محمود بن صالح تجاهه قرر أن يكتب الرسالة كما أرادها محمود بن صالح مع تعديل بسيط حيث كتب «إن شاء الله تعالى».

فشدد النون وفتحها فأصبحت «إنَّ شاء الله تعالى».

فلما وصلت الرسالة إلى «سديد الملك» عرضها على من بمجلسه من الأصدقاء والمقربين منه، فاستحسنوا الرسالة وقرروا أن ملك حلب يقدره ويريده إلى جواره.

فقال سديد الملك: إنى أرى فى الكتاب ما لا ترون.

ثم كتب ردًا على الرسالة وكتب فيها: «أنا الخادم المُقر بالإنعام».

وكسر الهمزة من «أنا» وشدد النون فأصبحت الصيغة: «إنَّا الخادم المُقر بالإنعام».

فلما وصلت الرسالة إلى محمود وقرأها الكاتب، سُر بما ورد فيها، وقال لأصدقائه: قد علمت أن الذى كتبته لا يخفى على «سديد الملك»، وقد أجاب بما طيب نفسى.

فما هو سر تلك الرسالة والرد عليها؟

كان الكاتب قد قصد بعد تعديله الإملائى قول الله تعالى: «إن الملأ يأتمرون بك ليقتلوك».

وحين فهم سديد الملك ما بين السطور كان رده بتعديل إملائى مماثل، بقول الله تعالى: «إنا لن ندخلها أبدًا ما داموا فيها».

وعلى هذا النحو تغلبت فطنة الكاتب وذكاء سديد الملك على مكيدة ملك حلب.

والشاهد فيما أوردناه من القصتين: أن قراءة ما بين السطور تحتاج إلى فضل من الذكاء والفطنة، وأن المقاصد الخافية على العوام لا تستعصى على فهم أهل العلم، فكم من رسالة تُكتَب لا يدرك فحواها إلا ذوو العقل، وكم من حديث يروى لا يعرف معناه سوى أهل البصيرة.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2026 ShoroukNews. All rights reserved