حكومة مدبولى.. وتغيير الضرورة
محمد سعد عبدالحفيظ
آخر تحديث:
الأحد 25 أكتوبر 2026 - 7:35 م
بتوقيت القاهرة
قبل نحو 8 سنوات، وقف رئيس الوزراء مصطفى مدبولى أمام مجلس النواب، عقب توليه رئاسة الحكومة خلفًا لسلفه شريف إسماعيل، ليعرض برنامج حكومته «مصر تنطلق»، مطلقًا وعودًا لو تحقق نصفها لاستردت البلاد عافيتها وتجاوزت الكثير من أزماتها.
تعهد مدبولى بتمكين المواطنين من الاستفادة من نتائج برنامج الإصلاح خلال عامين، ووعد الفئات «الأكثر فقرًا وتهميشًا» بتحسن ملموس فى حياتها خلال شهور قليلة.
كما تعهد بخفض الدين الحكومى والتضخم، وتحسين مؤشرات الأداء الاقتصادى، وتأمين الطاقة بأسعار منافسة؛ واختتم رسالته للشعب المصرى بقوله: «لقد صبرت كثيرًا وتحملت كثيرًا، وأرجو أن تتأكد أنه مضى الكثير ولم يبق إلا القليل».
اقتصاديًا، وعد برفع معدل النمو إلى 8% فى 2021/2022، وزيادة الاستثمار إلى 25% من الناتج المحلى، وخفض الدين الحكومى، مع تقليص العجز الكلى إلى 6%..
مرت السنوات، ولم يصل النمو إلى المستوى الموعود، بل شهد الاقتصاد فترات حادة من التباطؤ، فيما يدور النمو حاليًا حول 4% إلى 5% وفق تقديرات صندوق النقد الدولى. ورغم تراجع العجز الكلى إلى نحو 5.3% من الناتج المحلى، لا يزال الدين الحكومى يدور حول 84% منه.
أما الدين الخارجى، فقفز من نحو 90 مليار دولار إلى ما يقارب 166.5 مليار، بينما ارتفع الاحتياطى النقدى إلى أكثر من 57.3 مليار دولار، مقابل 42.5 مليار فى 2018. لكن ارتفاع الاحتياطى لم يمنع تراجع قيمة العملة المحلية؛ إذ قفز الدولار من نحو 17.9 جنيه إلى قرب 55.5 جنيه، لتنعكس خسارة الجنيه على أسعار الغذاء والدواء ومستلزمات الإنتاج وسائر الخدمات، وتتآكل القدرة الشرائية للمواطنين ومدخراتهم.
وفى ملف الطاقة، الذى وعد مدبولى بتأمينها بأسعار منافسة، رفعت الحكومة الأسعار إلى مستويات تقترب من أربعة أمثالها، ووصل الأمر إلى تطبيق الزيادة الأخيرة فى أسعار الكهرباء، التى أُقرت فى أغسطس، بأثر رجعى وهى تقول إنها مضطرة إلى ذلك بسبب ارتفاع أسعار الطاقة عالميًا.
ويبقى التضخم، وهو المؤشر الأكثر التصاقًا بحياة الناس، شاهدًا على الفجوة بين الوعود والواقع؛ فبعد بلوغه مستويات قياسية فى 2023 وتراجعه لاحقًا، عاد للارتفاع ليسجل 14% الشهر الماضى.
وفى ظل هذه الأوضاع، يعيش ما يقرب من ثلث المصريين تحت خط الفقر، وفق آخر مسح رسمى متاح أُجرى قبل ست سنوات، دون صدور بيانات مماثلة تسمح بقياس حجم التدهور منذ ذلك الحين.
ورغم مرور السنوات، لا يزال رئيس الوزراء يعد المواطنين بحصد ثمار برامج إصلاح تُصاغ وفق اشتراطات صندوق النقد الدولى، الذى لم يدخل بلدًا دون أن تحل عليها النوائب. ولأن أحدًا لا يُقيم أداء الحكومة أو يسائلها ويحاسبها، تتواصل الوعود التى لا تجد ما يسندها فى واقع الناس.
كان أحدث تلك الوعود ما أعلنه مدبولى خلال منتدى مصر قبل أيام، حين أكد أن تحسين الظروف المعيشية للمواطنين هو شغل حكومته الشاغل «اعتبارًا من الآن ولمدة 3 سنوات مقبلة». وكالعادة، ربط الضغوط التى يتحملها المواطنون بارتفاع تكاليف المعيشة عالميًا، فى ظل أزمة دولية حقيقية.
الإشارة إلى السنوات الثلاث ترجح بقاء الحكومة حتى نهاية ولاية الرئيس عبد الفتاح السيسى فى 2030، وهو ما تعززه مطالبة الرئيس المواطنين بالصبر، وقوله إن تغيير الوزراء لن يحل المشكلات، وإلا لاتُخذ القرار فورًا.
قد لا يحل تغيير الحكومة وحده المشكلات المتراكمة التى تضغط على الدولة، لكنه يظل إحدى وسائل امتصاص غضب الناس وجبر خواطرهم ومنحهم أملًا فى الإصلاح.
فتراجع الرضا الشعبى لا يضعف مبررات استمرار الحكومة فحسب، بل يزيد من الاحتقان ويرفع الكلفة السياسية على دولة تحاصرها تحديات إقليمية صعبة.
الأزمة، إذن، ليست فى انتقادات الناس على مواقع التواصل الاجتماعى، بل فى الإصرار على السياسات والوجوه ذاتها، وغياب المساءلة والمحاسبة رغم التردى والعجز والإخفاق.
قبل أيام، أعلن الرئيس أنه لن يستمر فى الحكم يومًا واحدًا بعد نهاية ولايته الحالية فى 2030، مؤكدًا عدم المساس بالدستور؛ ما يعنى أن البلاد تقف على أعتاب بداية جديدة، تحتاج إلى سياسات وقواعد مختلفة، ووجوه تؤمن بالدولة المدنية الديمقراطية الحديثة التى خرج المصريون للمطالبة بها فى 2011 و2013.
فإذا كانت المهمة الأساسية للسلطة خلال السنوات الماضية هى الحفاظ على استقرار الدولة والقضاء على الإرهاب، فإن المرحلة المقبلة تتطلب حكومة تصادق الناس، وتصارحهم بحقيقة الأوضاع، وتتحمل مسئولية إعداد البلاد لأول انتخابات رئاسية تعددية تنافسية تُجرى فى ظروف طبيعية، لا استثنائية ولا اضطرارية.