سلاح المصريين البَتــَّـار

جلال أمين
جلال أمين

آخر تحديث: الجمعة 27 أبريل 2012 - 8:00 ص بتوقيت القاهرة

المصريون يصفون الرجل الظريف بأنه «ابن نكتة» قاصدين أنه يرى الجانب الطريف فى أى موقف وعلى استعداد دائما للتعبير عن ذلك بنكتة. ولكن الشعب المصرى نفسه يمكن أن يوصف بأنه «شعب ابن نكتة»، بنفس هذا المعنى. المصرى يحزن بلا شك للحادث المحزن، ويفهم الجانب المؤسف كل الفهم، ولكنه لا يستطيع أن يمنع نفسه من رؤية الجانب المضحك أيضا، فإذا به يطلق «النكت» حتى فى أشد المواقف مأساوية.

 

إن كل من عاصر هزيمة 1967 يذكر جيدا انفجار المصريين بإطلاق «النكت» تعليقا على ما حدث، على الرغم من مأساوية الحادثة وقسوة وقعها على المصريين. كانت المفارقة شديدة جدا بين ما كان متوقعا قبل 5 يونية وبين ما حدث بالفعل. بين الكلام الرسمى وما تحقق فى الواقع، بين الوعود الرائعة وبين خيبة الأمل. والنكتة لا توجد إلا بوجود مفارقة، ويزداد وقعها وظرفها إذا كانت المفارقة صارخة. لا عجب أن انتشرت، إلى جانب «النكت» الموجعة أغانى وأشعار أحمد فؤاد نجم والشيخ إمام، انتشار النار فى الهشيم بمجرد وقوع الهزيمة، إذ وجد المصريون فى هذه الأغانى والأشعار تعبيرا صادقا عما كانوا يشعرون به من رغبة فى الضحك والبكاء فى نفس الوقت.

 

●●●

 

ولكن النكتة المصرية ليست مجرد تنفيس عن مشاعر المصريين بل هى أيضا سلاحهم البتّار. قد يبدو هذا غريبا، إذ كيف تكون مجرد نكتة سلاحا من أى نوع؟ ولكن هذه هى الحقيقة. نحن نعترف بأثر الخطابة فى إثارة مشاعر الجماهير، كما نعرف جيدا أن وسائل الإعلام أداة جبّارة فى أيدى مختلف النظم السياسية والحكومات، خاصة الحكومات الدكتاتورية. فلماذا لا تقوم النكتة بدور مماثل؟ فتقوم بزعزعة مركز الحاكم، وتوحيد الناس ضده إذا تجاوز حدوده؟ والحاكم المصرى الذكى يعرف أهمية النكتة لدى المصريين، فإذا كان لديه أى قدر من الحساسية فلابد أن يستجيب لما تقوله هذه النكت بشكل أو بآخر، إما بتحقيق ما يطالب به الناس وإما بالإمعان فى قمعهم.

 

إنى أذكر جيدا أن جمال عبدالناصر، عندما زادت سخرية الناس مما حدث فى 5 يونية، فانطلقوا يؤلفون النكت الحادة ويتداولونها بلا حدود، عبّر عن غضبه بصراحة فى إحدى خطبه، وطالبهم بالكف عن التنكيت، وربما كان لهذه النكت أثر فى قيام الحكومات بتوفير السلع الاستهلاكية فى الجمعيات التعاونية فى أعقاب الهزيمة، حتى لا تضاف أسباب اقتصادية للشكوى إلى الأسباب السياسية.

 

سمعت مرة من صحفى مرموق، عاصر عهود عبدالناصر والسادات وحسنى مبارك، أن عبدالناصر كان يطلب تقريرا دوريا عما يتداوله الناس من نكت، وأن السادات لم يُبد مثل هذا الحرص (ربما لأنه كان أكثر حرصا من عبدالناصر على تجنب أى شىء يعكر دمه)، أما حسنى مبارك فلم يكن يبالى بالأمر على الإطلاق لأسباب معروفة. كانت النكت المصرية فى كل عهد من العهود الثلاثة تدور حول الأشياء التى تشتد فيها المفارقة بين الظواهر المتعارضة. ففى عهد عبدالناصر كانت السخرية تدور حول المفارقة بين وصف النظام لنفسه بأنه ديمقراطى، وما يراه الناس من مظاهر الدكتاتورية فى الواقع. وفى عهد السادات، كانت النكت تدور حول المفارقة بين تظاهر الحاكم بالتمسك بالتقاليد، ودعوة الناس للتمسك بما أسماه «أخلاق القرية»، وبين حبه الشديد للتمتع بطيبات الحياة، ولمظاهر العزّ والأبهة، وافتتانه الشديد بمظاهر الحياة الغربية. أما فى عهد مبارك فكانت المفارقة الصارخة التى تستدر السخرية من المصريين، هى بين ما كان يُنسب للرئيس من قدرات عقلية وإدارية كبيرة، وبين حجم قدراته الفعلية.

 

●●●

 

لا بد أن نتوقع من المصريين، فى أوقات الفرح الشديد، حينما تتحقق الآمال، (أو عندما يبدو أنها على وشك أن تتحقق) ويقترب الواقع من الطموحات،أن يضعف ميلهم إلى السخرية، ومن ثم تضعف رغبتهم فى تأليف النكت. أذكر أن هذا كان هو حال المصريين فى الشهور القليلة التالية لقيام ثورة 1952، فلم يبدأ التنكيت بشدة إلا عندما بدأ انتشار احتلال الضباط للوظائف الحكومية ورئاسة المؤسسات والشركات). وكان هذا هو الحال أيضا فى الأسابيع التالية لقيام ثورة 25 يناير 2011، إذ طغى الفرح فى الحالين على الميل للسخرية، وتبادل الناس التهانى بما حدث بدلا من تبادل النكت. وإنما بدأ التنكيت على نطاق واسع وزاد واشتد مع بداية خيبة الآمال وظهور المفارقات الصارخة، الواحدة بعد الأخرى، بين الواقع والمأمول، بين ما يقال وبين ما يراه الناس بأعينهم.

 

●●●

 

كانت أولى المفارقات التى لاحظها المصريون بعد نجاحهم فى تنحية حسنى مبارك، هى تلك الناتجة عن أن من تولوا السلطة بعد الثورة ليسوا ثوريين فى الحقيقة. إنهم يمتدحون الثورة بين الحين والآخر (وإن كان هذا نادرا)، ويؤدون التحية للثوار أحيانا، ولكنهم يتصرفون تصرفات غير ثورية. لاحظ الناس مثلا أن الأشخاص الذين أوكلت لهم مناصب مهمة بعد الثورة، أثبتوا بعد أيام قليلة أنهم ليسوا ثوريين بالمرة. فأول رئيس للوزراء بعد الثورة قال ما معناه أن الشباب الذين قاموا بالثورة فى حاجة إلى أن يوزّع «بومبون» عليهم أى حلويات. ورئيس الوزراء التالى له وصفه نائبه فى حديث تليفزيونى سمعه الناس كافة بأنه رقيق «كالبسكويت». فلما زادت سخرية الناس من هذا وذاك، واضطر الممسكون بالسلطة إلى تعيين رئيس وزراء آخر، صدر من رئيس الوزراء الثالث تصريح حاول أن يدلل به على دأبه وإخلاصه فى العمل فذكر أنه لم يغير القميص الذى يرتديه منذ عدة أيام، كما وعد الناس بأنه لن ينحنى لأى قوة خارجية، ثم قام بالانحناء بعد يومين أو ثلاثة. لم يترك المصريون هذا التصريح أو ذاك يمّر دون التعليق عليه بنكت جديدة. وهو ما لا بد أن يكون قد وصل إلى أصحاب السلطة.

 

ثم ظهرت المفارقة الصارخة بين التظاهر باحترام الثوار وأهدافهم، وبين طريقة الممسكين بالسلطة فى معاملة هؤلاء الثوار، معاملة بالغة الغلظة والقسوة، ثم تقديم تفسيرات مدهشة لهذه المعاملة. فالكشف عن عذرية الشابات المشاركات فى المظاهرات أو الاعتصامات، بقصد إذلالهم، يوصف من جانب السلطة بأنه «إجراء روتينى»، أو يبرر بأن الغرض منه كان تحقيق مصلحة هؤلاء الشابات إذا ثبت أن إحداهن حامل فتوفر لها الرعاية اللائقة بالحوامل. وفى التملص من المسئولية عن ضرب وقتل المتظاهرين وإصابتهم فى عيونهم، تلقى المسئولية على من يسمون بـ«البلطجية» أو بـ«الطرف الثالث»... إلخ. كان لابد إذن أن يتحول «الإجراء الروتينى»، وتعبيرات «البلطجية» و«الطرف الثالث» وما شابهها إلى مادة خصبة للسخرية وتأليف النكت.

 

لاحظ المصريون أيضا أن الممسكين الجدد بالسلطة لم يحاولوا التخلص بالسرعة الواجبة من رجال العهد السابق، بعزلهم أو محاكمتهم فإذا بمسئولين قدامى يعاد تعيينهم فى وظائف مهمة، ومحاكمات الرئيس المخلوع وابنيه تتلكأ وتؤجل المرة بعد الأخرى، ويتلكأ أيضا إصدار قانون لاستبعادهم من المشاركة فى الحياة السياسية.. إلخ. ابتدع المصريوع لهذا السبب، تعبيرا رائعا هو «الفلول»، لوصف هؤلاء الذين كان من المفروض استبعادهم فبقوا فى أماكنهم، وأعيد تعيينهم فى أماكن أخرى مهمة، بل سمح لهم بالترشح لرئاسة الجمهورية. كان من بين نتائج هذا التلكؤ أيضا أن زاد عدد المرشحين لرئاسة الجمهورية زيادة مضحكة، حتى إن مغنيا بسيطا رشح نفسه للرئاسة على أمل أن يكسب على الأقل شعبية تساعد على ترويج فيلم أو شريط جديد له. تندر المصريون بذلك أيضا فردوا فى إحدى النكت أن زوجة قالت لزوجها إن جارهما الذى يسكن فى الدور الرابع رجل غريب الأطوار، وشاذ فى تصرفاته لدرجة أنه لم يرشح نفسه رئيسا للجمهورية حتى الآن!

 

كانت هناك أيضا بالطبع المفارقات الصارخة الناتجة عن خلط السياسة بالدين خلطا مدهشا ومؤسفا. فالمفروض أن التدين ينطوى على الترفع عن إغراءات الحياة الدنيا وعلى التحلى بحميد الأخلاق، بينما تسمح السياسة باتباع بعض أساليب الاحتيال والكذب، على أساس أن الغاية (السياسية) تبرر الوسيلة. ولكن المصريين لاحظوا أمثلة على اختلاط مزعج بين هذا وذاك. ومن أشهر الأمثلة على ذلك ذهاب عضو بمجلس الشعب ينتمى إلى حزب سلفى لإجراء عملية تجميل بأنفه، وزعم أن ما يراه الناس من أربطة تحيط بوجهه هو نتيجة لاعتداء عليه من بعض اللصوص الذى قاموا بمهاجمته وسرقة مائة ألف جنيه من سيارته. لم يكن من الممكن أن يترك المصريون هذا الحادث أيضا يمر دون تأليف نكت حوله.

 

●●●

 

كان لابد إذن، والحال كذلك، أن الساخرين المصريين الذين كشفوا عن مواهبهم قبل الثورة، تجلت مواهبهم أكثر فأكثر بعد الثورة، سواء فى كتابة المقالات الساخرة أو ابتداع النكت أو رسم الكاريكاتير، وكان لابد أيضا أن تظهر مواهب ساخرة جديدة. وكان من بين أصحاب هذه المواهب الجديدة فى هذه المرة، شابة مصرية تنتمى إلى أسرة اشتهرت بالكتابة الساخرة منذ عهد عبدالناصر.

 

●●●

 

يجب ألا نتوقع أن يتوقف المصريون قريبا عن تأليف النكت وتداولها. فالمصرى لا يقلع عن التنكيت إلا عندما يقلع الظالم عن ظلمه. وحينئذ فقط يكون المصرى مستعدا للكف عن تأليف النكت عن طيب خاطر، وأن يمارس حياته بجدية تامة.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2022 ShoroukNews. All rights reserved