انتخابات متكررة.. حرة وعادلة

محمد المنشاوي
محمد المنشاوي

آخر تحديث: الأحد 27 مايو 2012 - 8:00 ص بتوقيت القاهرة

على الرغم من رفض ما يقرب من 75% من الشعب المصرى منح أصواتهم للمرشح الإخوانى الدكتور محمد مرسى، وأيضا على الرغم من رفض ما يقرب من 75% من الشعب المصرى التصويت لمرشح النظام السابق السيد أحمد شفيق، كتب على 100% من المصريين أن يختاروا من بين هذين المرشحين أول رئيس لمصر بعد ثورة 25 يناير.

 

ومن المعروف أن أشكال الحكم تستمد قوتها فى ممارسة سلطاتها معتمدة على أساس قوى هو شرعيتها السياسية، أى على مدى قبول غالبية الشعب بها، حتى وإن رأت فئات كبيرة فى المجتمع أن هذا الفائز أو ذاك يمثل تيارا سياسيا منغلقا أو يمثل حقبة تاريخية منبوذة.

 

وسمحت ثورة 25 يناير للشعب المصرى أن يختار حكامه لأول مرة فى التاريخ الحديث، إلا أن هذا لا يعنى وجود خلافات جوهرية وهيكلية بين الأطياف السياسية المصرية المهمة وصلت لدرجة تهدد شرعية الرئيس المنتخب القادم سواء كان الدكتور محمد مرسى أو السيد أحمد شفيق.

 

ومن أجل التمتع بديمقراطية حقيقية عانت الكثير من الدول مراحل من الفوضى والعنف والقتل والترهيب كى تستمتع شعوبها فى النهاية بحق سياسى بسيط وهو اختيار من يحكمها من خلال صناديق الاقتراع. وتتطلب الديمقراطية الحقيقية وجود درجة عالية من الشرعية السياسية لأن العملية الانتخابية ذاتها تقسم السكان إلى معسكرين: «خاسر» و«رابح». وعماد هذا الشكل من أشكال الشرعية السياسية ينطوى على إدراك أن هناك انتخابات قادمة يمكن لكل الخاسرين أن يشاركوا فيها.

 

ومن المنتظر أن يكون الرئيس المصرى الجديد ضعيفا نظرا لزيادة نطاق القوة السياسية التى حصلت عليها المؤسسات السياسية الأخرى خلال العام والنصف الأخير. البرلمان أصبح أكثر قوة بسبب تنوع التمثيل فيه، وبسبب انتخاب أعضائه بحرية، إضافة إلى بعده النسبى عن سطوة الحزب الحاكم مقارنة بتجربة كمال الشاذلى وأحمد عز. الشارع والرأى العام أيضا نالهما من نصيب القوة جانبا كبيرا، ورأينا كيف أسقط الشارع عدة وزارات، وكيف رضخ المجلس العسكرى لمطالبه وتعهد بالتخلى عن الحكم منتصف 2012 وليس فى عام 2013 كما خطط مسبقا.

 

إلا أن الفشل فى تحقيق الشرعية السياسية والحصول عليها فى الحالة المصرية ليس له ما يبرره رغم كل الانقسامات التى تشهدها مصر حاليا. ما ينبغى على القوى السياسية المختلفة، القوى منها والضعيف أن تضمن تحقيق معادلة الديمقراطية المعاصرة الأهم، وهى معادلة وحيدة ليس لها ثان «انتخابات متكررة وحرة وعادلة». ضمان مثل هذه المعادلة التى تبدو بسيطة يدفع بالأطراف الخاسرة فى الانتخابات الحالية، إن كانت جادة، أن ينتقل للشارع ويعمل بجد خلال السنوات الأربع المقبلة من أجل إعداد كوادر سياسية حقيقية شابة. كما عليهم أن ينتقلوا للعمل خارج أروقة مكاتب القاهرة وعواصم المحافظات وليصلوا للمواطنين ويعرفوهم بحقوقهم وواجباتهم السياسية والمجتمعية.

 

مقولة وجود مرشح ذى خلفية عسكرية يراه الكثيرون مرشحا لنظام مبارك، وممثلا شرعيا للثورة المضادة لها ما يبررها، كما أن مقولة وجود مرشح له خلفية دينية مستمدة من تنظيم مغلق شبه سرى لها ما يبررها أيضا. ويبدو هذا مقلقا لملايين المصريين ممن كتب عليهم، وكتبوا هم على أنفسهم أن يختاروا من بينهما. معادلة انتخابات حرة وعادلة ومتكررة يجب أن تعطى الأمل فى إمكانية تغيير ما لا نراه اليوم صائبا.

 

المفكر الكبير عبدالرحمن الكواكبى أدرك منذ عقود طويلة مضت أن «المستبد فرد عاجز، لا حول له ولا قوة إلا بأعوانه، أعداء العدل وأنصار الجور»، علينا أن لا نسمح لأى رئيس جديد أيا ما كان أن يستغل غفلة الشعب، لأن هذه الغفلة سبيله الوحيد لبسط سلطانه عليهم والاستبداد بهم. الشعب الذى لا يشعر أغلبه بآلام الاستبداد لا يستحق الحرية!

 

إن الانتخابات الحرة ليست كافية لكى يصبح بلد ما ديمقراطيا، إلا أنها العمود الفقرى لتحقيقها والبدء فى تعلمها. من يتحدث عن ضرورة الانتظار حتى يمكن للشعب المصرى أن يمارس الديمقراطية بالصورة التى تمارسها المجتمعات المتقدمة، وما يتطلبه ذلك من تغيير ثقافة المؤسسات السياسية، وتغيير ثقافة الشعب وبناء أحزاب سياسية قوية وخلق إعلام محايد وبناء دولة سيادة القانون، إنما هم يطالبون بما كان يمارسه النظام السابق وما ادعاه اللواء عمر سليمان أثناء ثورة 25 يناير من أن الشعب المصرى غير مهيأ لممارسة الديمقراطية الآن. لا توجد ضمانه حقيقة سوى «الانتخابات الحرة العادلة والمتكررة».

 

ولقد عبر بنيامين فرانكلين، أحد أهم الآباء المؤسسين للولايات المتحدة، عن مفهوم سيادة الشعب قائلا: «فى الحكومات الحرة، الحكام هم الخدم والناس رؤساؤهم وأصحاب السيادة». والمصريون قطعوا شوطا طويلا غير مسبوق فى تاريخنا الحديث للوصول لبدايات هذه المرحلة، وعلينا جميعا أن نختار موظفينا الرئاسيين كل أربع سنوات بحرية وعدالة، ألا نفرط فى هذا الحق.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2022 ShoroukNews. All rights reserved