لماذا لا نتقن لغتنا الجميلة؟

زينب طه
زينب طه

آخر تحديث: الثلاثاء 26 مايو 2026 - 6:10 م بتوقيت القاهرة

سؤال محير بالفعل! أبدأ الكلام بمشاركة تجربتى الشخصية.

بعد دراستى الجامعية للعلوم السياسية، قررت أن أغير مسارى الأكاديمى، والتحقت ببرنامج للماجستير فى تعليم اللغة العربية لغير الناطقين بها، وكان هذا البرنامج هو الأول من نوعه، وأسسه فى الجامعة الأمريكية الدكتور السعيد بدوى فى منتصف سبعينيات القرن الماضى. ولأننى كنت ممن درسوا فى المدارس الثانوية الحكومية، حيث كان الاهتمام بتعلم العربية وإتقانها جزءًا لا يتجزأ من الشعور بالهوية المصرية والانتماء القومى العربى، رحبت بهذا البرنامج ووجدت فيه فرصة مستقبلية للعمل فى مجال أحبه.

• • •

وخلال دراستى للماجستير، وجدتنى أكتشف جوانب من اللغة لم أعرفها قط من دراستى بالمدرسة. عرفت أن العربية تعتمد على نظام اشتقاقى يولد كلمات اللغة ويربط بين اشتقاقات الجذر الواحد فى المعنى. تعلمت أساليب العربية للتعبير عن أغراض الكلام، فوجدتنى قادرة على استخدامها كلغة حية تواصلية، بعيدًا عن التقعر والتنظير. بل واكتشفت قوة هذه اللغة الجميلة على التنوع فى استخدام القواعد النحوية، وأن هناك مستويات للعربية تشمل عربية التراث والعربية المعاصرة، وأخرى تخلط الفصحى بالعامية. لم تكن هذه "الاكتشافات" إلا دليلًا دامغًا على القصور الشديد فى تقديم مناهج اللغة العربية والأسلوب العقيم فى تدريسها. أصبحت أرى بوضوح منطق هذه اللغة، وأصبحت القواعد النحوية أسهل بكثير مما تعلمته فى المدرسة. ورأيت أن الطلاب الذين يدرسون فى مدارس اللغات فى مصر يواجهون العديد من التحديات التى يواجهها بعض دارسى العربية كلغة أجنبية، وبالتالى استفدت جدًا من استخدام بعض طرائق التدريس التواصلية فى تدريس هؤلاء الطلاب المصريين الذين لم ينالوا قسطًا وافيًا من تعلم الفصحى.

• • •

يبدو أن التدريس المتميز الذى قام به أساتذتنا فى المدارس فى القرن الماضى قد أغفل إلى حد كبير حقيقة أننا قد التحقنا بالمدرسة ونحن قادرون على التعبير الكامل عن أنفسنا بلغتنا العامية، والتى يسميها المتخصصون بـ«لغة الأم»، وأننا نبدأ فى تعلم العربية الفصحى، مع التشابه العظيم بينها وبين العامية، وكأنها لغة جديدة. فوجدنا صعوبة فى إتقانها لأن استخدامها كلغة تواصلية اقتصر فقط على فصول المدرسة، فأصبحنا نرى أنها لغة صعبة، بل مستحيلة للبعض.

• • •

انتهى هذا العصر الذهبى ليحل مكانه، وتدريجيًا، عصر آخر تتراجع فيه مستويات اللغة ويقل الاهتمام بتدريسها، وتصعب فيه مناهجها وامتحاناتها، ويكثر فيه الدروس الخصوصية. أصبحت القواعد النحوية تُحفظ بدلًا من أن تُفهم، وبالتالى عانى الكثيرون من عدم فهم تراكيب اللغة المختلفة، فتدهورت القدرة على التعبير بها. وفى الوقت نفسه، انتشرت صيحة المدارس الأجنبية التى تدرس مناهج دول أجنبية، ومعها تقلصت المناهج العربية وقل الاهتمام بها. بل إن الكثيرين كانوا يهربون من دراستها فى المرحلة الثانوية. وينتهى الحال بالبعض، بعد الانتهاء من الجامعة، إلى عدم القدرة على القيام بعمله إذا ما تطلب العمل كتابة مراسلات باللغة العربية. أذكر زيارة السفيرة سلامة شاكر لمعهد اللغة العربية بالجامعة الأمريكية، والشكوى من عدم قدرة خريجى الجامعة على التعبير الجيد بالعربية، بل وطلبت أن ننظم حلقة تدريبية لتطوير مهارة الإلقاء والكتابة للملتحقين بوزارة الخارجية.

• • •

وإذا كانت مشكلة تردى مستوى التعليم هى مشكلة عامة، فإن التردى فى تدريس اللغة العربية قد وصل إلى مرحلة الخطر. ومن واقع تخصصى فى تدريس اللغة العربية، وخاصة بعد كتابتى رسالة الدكتوراه عن إسهام النحاة الأوائل فى وضع نظريات النحو العربى، وبعد انخراطى فى التدريس لمدة طويلة، أعتقد أن مشكلة أولادنا فى عدم قدرتهم على إتقان اللغة، بل وكراهيتهم أحيانًا لهذه اللغة «الصعبة»، لها أسباب عدة. أحد هذه الأسباب هو طريقة تدريس اللغة نفسها، فالفصحى لا تُدرَّس كلغة حية تواصلية، مع أن الهدف الأساسى من وجود أى لغة هو التواصل. فلا يتدرب التلاميذ على الإلقاء أو التعبير عن الموضوعات التى يدرسونها شفهيًا، ولا نعطى وقتًا كافيًا للاهتمام بالكتابة والإنشاء. أما النحو فقد أصبح مجموعة من القواعد يحفظها الطالب دون فهم حقيقى، ليجيب على أسئلة الامتحان التى تأتى، فى كثير من الأحيان، من نفس الأمثلة التى حفظها فى كتاب النحو المقرر. لا أستطيع أن أنسى ما قالته لى طالبة فى الإعدادية يومًا ما من أنها تتعرف على الفعل المضارع بالأحرف التى يبدأ بها، كالتاء والياء، دون أن تدرك أن هناك الكثير من الأفعال غير المضارعة تبدأ بنفس الأحرف، وأن هناك بالطبع أسماء تبدأ بنفس الأحرف! وسألنى طالب آخر عما إذا كان حرف الجر يأتى قبل أو بعد كم الخبرية وكم الاستفهامية. وكان الاهتمام بمعرفة الإجابة أساسه أن يتعرف الطالب على نوع «كم» فى الامتحان، بمعنى أنه إذا وجد حرف الجر قبلها فهى استفهامية، وإذا كان الحرف بعدها فهى خبرية! إذن الحفظ، دون الفهم، سمة أساسية.

• • •

يرتبط بأسلوب التعليم مشكلتان هما المنهج وكفاءة المدرس. تحاول وزارة التربية والتعليم، فى مبادرة جادة لرؤية 2030، أن تطور المناهج المدرسية بما فيها منهج اللغة العربية. ولابد أن نعترف بأن التطور فى المنهج حدث بالفعل لعدد من السنوات الدراسية، وأصبحت اللغة الفصحى تقدم بشكل أكثر «طبيعية» وأقل تعقيدًا. ولكن يبدو أن المشكلة مستمرة، فكثير من الموضوعات لا تحاكى حياة الجيل الجديد ولا تربطه بمشاغل الحياة اليومية. والملاحظ أنه حتى فيما يتعلق بموضوعات الساعة، فإن الأسلوب لا يزال مقعرًا ويستخدم ألفاظًا قلما تستعمل فى فصحى العصر المتطورة. أما إعداد المدرس فهذه مشكلة معقدة، فثقافة الحفظ والتلقين لا تزال تحكم منظومة التعليم بشكل عام، وهو أسلوب متوارث يحتاج إلى رؤية جديدة.

• • •

وإلى جانب مشكلة أسلوب التدريس والمنهج وإعداد المدرس، توجد مشكلة أخطر، وهى موقفنا الأيديولوجى من اللغة العربية بشكل عام. هذا الموقف الذى يتمثل عند الكثيرين فى الشعور بقدسية اللغة، فهى لغة القرآن، وبالتالى فكيف تكون هذه اللغة سهلة ومتاحة؟ ويتساءل البعض: لماذا لا نبنى تدريس الفصحى على معرفة الطفل بعاميته؟ فيصدمنا رأى الكثيرين أن العامية ما هى إلا صورة مشوهة للعربية، بل تمثل خطرًا على الفصحى. هل هذا صحيح؟ للحديث بقية

أستاذة اللغويات بالجامعة الأمريكية بالقاهرة، والعميدة السابقة لكلية العلوم الإنسانية والاجتماعية

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2026 ShoroukNews. All rights reserved