روائح مصرية بين الصفا والمروة!

عادل سليمان
عادل سليمان

آخر تحديث: الثلاثاء 26 مايو 2026 - 6:20 م بتوقيت القاهرة

«تُركت وحيدة مع صغيرها، فى وادٍ موحش وأرض ملأى بالخوف، وخاصة لما يجن الليل. وعليك أن تتخيل أمّا وطفلها بين أودية قاحلة، وجبال الرهبة، وليس هناك من ونيس تُؤنس به، ولا عن بُعدٍ من ملجأ تلجأ إليه، وتريد أن تلتمس لصغيرها مأمنا ومأوى. إنها قصة تملؤها الحياة، تملؤها العاطفة، يملؤها الصراع؛ سعت لطلب الماء للصغير. ولما أجهدها البحث والسعى نظرت إلى السماء، ولما علمت أن هذا أمر الله قالت بعقل يملؤه اليقين، وقلب يملؤه الإيمان، إن الله لن يضيعنا. فلذلك فجّر الله لها ينبوعا من الماء تحت أقدام الصغير، وجعل أفئدة من الناس تهوى إليهما، وكرمها الله بأحسن التكريم بأن جعل سعيها هذا شعيرة من شعائر الحج إلى اليوم المعلوم. فلذلك انتصر الأمل على الخوف، وانتصر الإيمان على الشك».

 

* • •

 

الثابت تاريخيا أن السيدة هاجر زوجة نبى الله إبراهيم الخليل عليهما السلام من مصر، من قرية «الفرما»(1).

وقد روى أبو ذر عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ستفتحون أرضا يُذكر فيها القيراط، فاستوصوا بأهلها خيرا، فإن لهم ذمة ورحما»(2). صدق رسول الله ﷺ.

أما الرحم فهى السيدة هاجر أم سيدنا إسماعيل عليهما السلام، والذمة فإن النبى صلى الله عليه وسلم قد تزوج من ماريا المصرية من قرية أنصنا (3) بالمنيا.

 

* • •

 

لعله من حسن الطالع أن تتبوأ مصر تلك المكانة العظيمة فى آيات الذكر الحكيم، فليس هناك بلد تم ذكره فى آيات كثيرة سوى مصر؛ مصر ونيلها، وفرعونها، ومدائنها، وخزائنها. هى البلد المذكور بالاسم والتضمين مرارا فى القرآن الكريم، فمن الحقائق اللافتة للنظر أن مصر كانت دائما طرفا فى قصة التوحيد بفصولها الثلاثة. ولا تُفهم قصة التوحيد فى كل مراحلها إلا بذكر مصر.

 مصر مذكورة فى الكتب السماوية الثلاثة ذكرا متواترا إلى أقصى حد. فمصر وفلسطين والحجاز ترسم فيما بينها مثلثا أو سهما، مصر أحد أضلاع مثلث الأديان. فكانت لموسى مقعدا ومنطلقا، ولعيسى ملجأ وملاذا، بينما كانت مع النبى محمد هدية ونسبا.

 

* • •

 

وهنا مفارقة طريفة، وهى أن درجة انتشار كلٍّ من الأديان الثلاثة فى مصر تكاد تتناسب عكسيا مع درجة ارتباط رسولها بمصر. فموسى أشدهم ارتباطا بمصر؛ وُلد وعاش وتربى بها، بل يعده البعض مصريا بالأصل. ومع ذلك فلم تنتشر اليهودية فى أوجها إلا انتشارا جزئيا محليا. أما عيسى فقد جاءها طفلا وأقام بها بعض الوقت، وقد انتشرت المسيحية فى مصر. أما النبى محمد فهو وحده من بين الرسالات الثلاث الذى لم يجئ إلى مصر، وإن كان هو الذى أصهر منها. فلذلك فقد انتشر الإسلام انتشارا كبيرا. وفى كل الأحوال فإن مصر تبقى بطبيعة الحال مسرحا أساسيا لكل الأديان والرسالات، ومعظم الأنبياء والمرسلين. وإن لم تكن بعض أحداثها جرت على أرض مصر، فإن أثرها يحتفظ ببصمات أصابع البعض الآخر بمصر.

 

* • •

 

فسيناء تُلخّص أسماء الأماكن فيها كل قصة اليهودية واليهود، ابتداء من عيون موسى وحمام موسى وحمام فرعون، إلى هضبة التيه وجبل المناجاة إلى الوادى المقدس طوى. ومن قرية غيتا إلى تل يهوذا قرب بلبيس بالشرقية، وقرية شلشمون بمنيا القمح بالشرقية، غير بعيد عاش يوسف وأخوته بأرض جاثان «وادى الطميلات»، إلى أون ومنف «المدينتين فى قصة يوسف»، إلى شجرة المطرية ثم البهنسا ثم دير المحرق بأسيوط، آخر مكان للعائلة المقدسة قبل العودة إلى فلسطين. وأخيرا إلى قرية الشيخ عبادة «أنصنا» القديمة، حيث جاءت ماريا القبطية زوجة النبى ﷺ وأم إبراهيم.

 

* • •

 

هكذا كانت مصر منذ عهد الفراعنة؛ قد مثل الدين والإيمان القاسم المشترك فى حياة المصرى القديم. صنع للحياة الآخرة أكثر مما صنع للحياة الدنيا، فجعل المقابر والمعابد سجلا صادقا بما قدم فى حياته الدنيا. وصايا عشر: لم أكذب، ولم أسرق، ولم ألوث ماء النهر… إلخ، اعترافا بها أمام المحكمة الإلهية فى دار الآخرة، دار الخلود. صنع المقابر والمعابد لتكون آية تتحدى عوامل الزمن رغبة فى الخلود. سجل الآخرة والحساب والميزان، ونقش على الصخر الصوان أعماله واعترافاته. فلذلك كان المصرى مهيأ لاستقبال ما يدعوه للتوحيد بالله وإصلاح الدنيا ورجاء اليوم الآخر فى دار الخلود.

 

* • •

 

القرآن والإنجيل يبشران بالبركة والأمان لمصر:

 

كما أسلفنا فقد آمن المصريون جزئيا بموسى عليه السلام، ولم تنتشر اليهودية انتشارا كبيرا، وذُكرت مصر فى أسفار موسى الخمسة، والتى يبدأ التاريخ اليهودى فيها بالعبودية فى مصر ثم سفر الخروج. وفى كتاب «هيجاداه»، ليلة عيد الفصح حسب طقس الشعار لديهم: «كل جيل وجيل ملزوم فيه الإنسان أن يحسب نفسه كأنه هو الذى خرج من مصر»(4). أما فى الإنجيل فكان الدعاء لمصر بالخير والبركة والمحبة لشعب مصر، فتلك بشارة المؤيد بروح القدس عيسى عليه السلام: «مبارك شعبى مصر». وأخيرا الذكر بالخيرات وعطايا الدنيا من أنهار وزروع ومقام كريم، إلى الدخول إليها آمنين، آيات من نور تُخلد ذكر مصر إلى اليوم المعلوم.

 

* • •

 

مصر طريق الحج:

 

كانت مصر منذ الفتح الإسلامى طريقا للحج، وخاصة للشمال الإفريقى، ورافدا سنويا يصب مؤثراته بهدوء فى مصر. فقد كان «الركب» المغاربى يصل إلى الألوف من الأعداد. فعلى طريق الحج الساحلى كانت رحلة الحج، وخاصة لبلاد المغاربة، حجا وتعميرا، وخاصة عند العودة؛ فقد استقر منهم فى مصر، وإليه ترمز العشرات من أضرحة ومقابر الشيوخ المغاربة على طول الساحل الشمالى الغربى إلى قلب الدلتا؛ من سيدى برانى إلى سيدى كرير وسيدى عبد الرحمن وسيدى المرسى والشاطبى «الإسكندرية»، إلى الشيخ الدسوقى «دسوق»، والشيخ طلحة التلمسانى «كفر الشيخ»، إلى القطب الصوفى الكبير السيد البدوى «طنطا». كل هؤلاء جاءوا على طريق الحج، والذى يشبه طريق حج السافنا – الفلاتة فى السودان الغربى والشرقى على البحر الأحمر(5).

 

* • •

 

كسوة الكعبة هدية مصرية حبا للبيت العتيق:

 

لكسوة الكعبة والصرة والمحمل تاريخ ضارب فى القدم، وقد قيل إنها بدأت منذ عهد «عمرو بن العاص» فاتح مصر، وإن كان الأدق تاريخيا أنها بدأت منذ العهد المملوكى لمصر. وكانت تقام لها الاحتفالات، ويسمى السلطان المملوكى قائدا مقربا إليه ويخلع عليه لقب أمير الحج. يخرج المحمل فى تظاهرة كبرى بحضور السلطان المملوكى وجموع الشعب المصرى، وظلت هكذا إلى عام 1962.

 

* • •

 

هكذا تنطلق قوافل ومواكب الحج من مصر عبر البر والبحر والجو صوب البيت العتيق، وفى الأفئدة شوق، وفى العيون بريق، تصدح بهدير: «لبيك اللهم لبيك.. لبيك لا شريك لك لبيك.. إن الحمد والنعمة لك والملك.. لا شريك لك»، ويشعر المُلبى أن الكون كله يتجاوب معه من شجر وحجر.

وأخيرا نعود كما بدأنا مع الأم المصرية هاجر زوجة نبى الله إبراهيم عليهما السلام، والتى توكلت على الله بشعور نفيس ملك قلبها، وفى محنتها انتظرت تدخل السماء، فتفجرت زمزم، وغنى الوادى بعد وحشة، وصار الرضيع أمة كبيرة العدد عظيمة الغناء. ومن نسله صاحب الرسالة العظمى محمد ﷺ. وكانت الصفا والمروة تقليدا لأم إسماعيل هاجر عليها السلام، وهى ترمق الغيب بأمل لا يخيب.

 

معد برامج بتلفزيون الصعيد

المصـــــادر:

1.  الكندي: فضائل مصر المحروسة، وفى خطط المقريزى، وفى حسن المحاضرة للسيوطى.

2.  حديث صحيح مسلم.

3.  ياقوت الحموى: القسم الجغرافى الأول، والسيوطى فى حسن المحاضرة.

4.  دكتورة نعمات أحمد فؤاد: صحيفة الأهالى، سبتمبر 1980.

5.  جمال حمدان: نحن وأبعادنا الأربعة

الاقتباس:

 

فمن الحقائق اللافتة للنظر أن مصر كانت دائما طرفا فى قصة التوحيد بفصولها الثلاثة. ولا تُفهم قصة التوحيد فى كل مراحلها إلا بذكر مصر. مصر مذكورة فى الكتب السماوية الثلاثة ذكرا متواترا إلى أقصى حد.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2026 ShoroukNews. All rights reserved