الأنبا موسى.. نصف قرن راهبًا
سامح فوزي
آخر تحديث:
الثلاثاء 26 مايو 2026 - 6:20 م
بتوقيت القاهرة
مرت خمسون عامًا على رهبنة الأنبا موسى، أسقف عام الشباب، وأحد أبرز قيادات الكنيسة القبطية الأرثوذكسية فى النصف الثانى من القرن العشرين وحتى الآن، تعليمًا ووعظًا، وتواصلًا مع الشباب، وخدمة لقضايا الوطن، ودعمًا لروح المواطنة والعلاقات الإسلامية المسيحية. يتفق الجميع على أنه شخصية استثنائية، وتتسم خدمته الممتدة بالحرص على بناء السلام، وإرساء المحبة، وتقديم المساندة والمشورة، والحكمة العميقة خاصة فى لحظات التحديات والأزمات. يتمسك بعقيدته، ويدافع عنها، دون تعصب أو كراهية لأحد، ويلتزم بما يمليه عليه ضميره دون أن يفرض رأيًا على غيره، لم يُخاصم أحدًا أو يجاهر بعداء لأحد، بل اختار أن يكون من بُناة التوافق، وديعًا، مُحبًا، ينفتح على الكل، ويعرض عن الاستقطاب والتحزب والعداء، ولذلك يحظى باحترام وتقدير المسيحيين عموما، باختلاف انتماءاتهم المذهبية، وأيضًا مؤسسات الدولة، والمثقفين وأصحاب الرأى من كل الاتجاهات والمشارب، ولاسيما أنه يمتلك الروح المتسامحة التى تجعله يقيم علاقة إنسانية عميقة مع كل شخص يلتقيه حتى المختلفين معه.
ظهر الطابع الاستثنائى فى شخصيته منذ فترة مبكرة، بعد أن تخرج فى كلية الطب عام 1960، واختار طريق التنمية والخدمة الروحية، فى القاهرة وبنى سويف، يخدم قطاعات واسعة من المجتمع، ولاسيما الشباب، ثم اتجه فى عام 1976 إلى دير السيدة العذراء (البراموس) فى وادى النطرون، طالبا الرهبنة رغم أنه كان يعيش تلك الحياة قبل ذلك بسنوات بعيدة خارج أسوار الدير، ترهبن فى فترة قصيرة، ثم أصبح قسًا بعد ذلك بأسابيع قليلة، وصار أمينًا للدير، وأضحى مصدر اشعاع لزائريه، من الشباب الذين تعلقوا به، وارتبطوا بخدمته وتعاليمه. لم يمض فى الدير سوى شهور قليلة، فقد نادته الخدمة مجددا فى بنى سويف، ثم اختير أسقفا للشباب عام 1980. وكان الراحل البابا شنودة الثالث يتواصل معه، ويرشده فى خطواته، وقد رأى فيه القيادة الروحية التى تؤسس اسقفية الشباب لأول مرة فى تاريخ الكنيسة القبطية.
يقدم الأنبا موسى مدرسة فى التعليم، خاصة فى الحديث إلى الشباب، من خلال نشر المفاهيم العميقة بلغة سهلة يسيرة على الفهم، وتطوير الوعظ الدينى فى رسائل محددة، مرتبة الأفكار، عميقة المعانى، على نحو جعله يُحدث تغييرًا جذريًا فى الخطاب مع الشباب المسيحى بوجه خاص، وامتد إلى الشباب المصرى بوجه عام فى النقد الكثير من الظواهر الثقافية والاجتماعية السلبية التى ألمت بالمجتمع.
وفى مطلع التسعينيات من القرن العشرين تبنى تجربة فريدة عبر أسقفية الشباب فى انفتاح الشباب القبطى على المجتمع من خلال ندوات ومؤتمرات دعا إليها مثقفون مسيحيون ومسلمون من كل الاتجاهات، للحوار مع الشباب، والاستماع إليهم. تجربة مهمة، فى إذكاء روح المشاركة والمواطنة، ولعل كثير من النشطين فى المجال العام من جيل الوسط كانوا نتاج تلك التجربة، من بينهم كاتب هذه السطور.
فى الاحتفال الذى أقيم بمناسبة اليوبيل الذهبى لرهبنته يوم الجمعة الماضية، نستطيع أن نتبين كيف أن هناك أجيالًا متعاقبة ارتبطت به على مدار خمسة عقود، صار منهم الآن شخصيات مدنية بارزة، وأساقفة، وقساوسة، داخل مصر وخارجها، بل يحرص قادة الكنائس الأخرى فى سوريا ولبنان، على زيارته عندما يأتون إلى مصر، تقديرًا له، ولمسيرته.
اقترب الرجل من عتبة التسعين، فهو من مواليد عام 1938، أطال الله عمره، وقد أعطى نموذجًا ملهمًا فى الحياة: التراكم فى الخبرة والمعرفة، التعليم المستمر، التواصل الإنسانى، والعلاقات الاجتماعية، بناء جسور السلام والتوافق، وهى جميعها من سمات قادة التغيير الحقيقى، الذين يحفرون مسارًا إنسانيا وروحيًا ووطنيًا، بدأب واحتمال واستبشار قلب.
أيقونة مشرقة فى الكنيسة القبطية، بل وفى الوطن بأسره، سوف يذكر التاريخ دوره ورسالته وانتاجه الروحى والفكرى العميق.