كابوس على حدود مصر!

خالد سيد أحمد
خالد سيد أحمد

آخر تحديث: الجمعة 26 يونيو 2026 - 5:50 م بتوقيت القاهرة

تصور البعض أن سيناريو تهجير الفلسطينيين من قطاع غزة بات جزءا من الماضى، بعد حدوث تطورات إقليمية ودولية كبيرة أبرزها الحرب على إيران، والتى ساهمت فى إزاحته عن صدارة المشهد، إلا أن هذا الكابوس عاد مؤخرا وبقوة إلى بورصة التداول الإسرائيلى، ما يفرض تحديا هائلا على حدود مصر الملتهبة فى الأساس من جميع الاتجاهات.


تطوران لافتان حدثا الأسبوع الماضى، أعادا إلى الأذهان هذا المخطط الصهيونى الذى يستهدف تصفية القضية الفلسطينية من جذورها تماما، وتصدير المشكلة إلى دول الجوار، خصوصا مصر.. التطور الأول تمثل فى الاجتماع الذى عقده رئيس مجلس الأمن القومى الإسرائيلى الجديد، شموئيل بن عزرا، مع ممثلى المؤسسة الأمنية لبحث ما يسمى بخطة «تشجيع الهجرة الطوعية» للفلسطينيين من قطاع غزة، وفقا لصحيفة «هاآرتس» العبرية، التى ذكرت أن «المؤسسة الأمنية الإسرائيلية فوجئت بقصر مدة الإخطار الذى سبق الاجتماع،

وبإعادة طرح القضية مجددًا، خصوصًا أن الخطة طُرحت عدة مرات خلال الأشهر الماضية، لكنها لم تحقق أى تقدم عملى».


أما التطور الثانى فتمثل فى تصريحات رئيس الوزراء الإسرائيلى بنيامين نتنياهو، الأربعاء الماضى، والتى قال فيها إنه «صادق على مشروع بناء مطار جديد بالقرب من قطاع غزة»، مضيفا أنه عندما أُبلغ بأن الموقع المقترح قريب من القطاع، أجاب بالقول: «لا توجد غزة ولن يبقى منها شىء».


هذا التصريح الذى يلغى بشكل واضح وجود قطاع غزة كأرض محتلة تشكل مع الضفة الغربية قوام الدولة الفلسطينية المستقلة فى المستقبل، تزامن مع تقديرات أمنية إسرائيلية أفادت بأن جيش الاحتلال بات يفرض سيطرة عملياتية على نحو 70 بالمائة من مساحة قطاع غزة، وأن هذه المساحة مرشحة للارتفاع خلال الفترة المقبلة.


نسبة الـ 70 بالمائة من قطاع غزة الذى تبلغ مساحته الإجمالية 365 كيلومترًا مربعًا، تعنى السيطرة على ثلاثة أرباع القطاع، بعد أن كانت وقت توقيع اتفاق شرم الشيخ فى أكتوبر الماضى نحو 53 بالمائة، وهو ما يؤشر إلى رغبة الاحتلال فى زيادة الضغط والحصار والإنهاك والتجويع على سكان القطاع، لدفعهم إلى البحث عن نوافذ للخروج من هذا الوضع الصعب، وبالتالى يصبح ما يسميه الاحتلال «هجرة طوعية» للفلسطينيين، ليس سوى نتيجة مباشرة للظروف التى خلقها لإجبارهم قسرا على ترك أرضهم، وهو ما يجرّمه القانون الدولى الإنسانى الذى يحظر ويرفض أى شكل من أشكال إجبار السكان على مغادرة أراضيهم، سواء بالجرائم المباشرة عبر الاستخدام المفرط للآلة العسكرية الفتاكة، أو بالضغوط والتجويع وهدم المنازل وبقاء المواطنين فى العراء ليلا نهارا، بحيث تصبح كل مقومات الحياة مستحيلة على أى إنسان.


قد يعتقد البعض أن عودة هذه القضية إلى الواجهة مرة أخرى، ليست أكثر من مجرد ورقة مزايدة يحاول نتنياهو استخدامها من أجل الفوز فى الانتخابات التشريعية المقررة فى السابع والعشرين من أكتوبر المقبل عبر استمالة غالبية الجمهور الإسرائيلى الذى يرفض حق الفلسطينيين فى الوجود.


ليس هذا فحسب، بل هناك من يتصور أن رئيس الوزراء الإسرائيلى يحتاج دائما إلى إبقاء الجبهات مشتعلة لضمان بقائه فى الحكم، لا سيما بعد خروجه من حرب إيران «خالى الوفاض»، نظرا للتفاهمات التى تمت بين واشنطن وطهران من دون موافقة تل أبيب، ما أدى إلى ارتفاع منسوب التوتر مع الولايات المتحدة إلى درجة غير مسبوقة.


ربما يكون ذلك صحيحا إلى حد ما، لكنه لا ينفى أن تكون فكرة التهجير والإبادة والاقتلاع وقضم المزيد من الأراضى، قد غابت عن الذهنية الإسرائيلية فى يوم من الأيام، بل إنه حتى لو تراجعت مؤقتا عن التداول العام ووضعت فى الأدراج، إلا أنها ما تلبث وأن تعود بقوة كلما كانت الظروف مواتية ومناسبة لتنفيذها على أرض الواقع.


لذلك ينبغى على مصر التى تصدت بقوة لمخطط تهجير الفلسطينيين خلال فترة الحرب على غزة افتراض أن عودة هذه القضية إلى الواجهة مرة أخرى يأتى فى إطار تفاهم أمريكى إسرائيلى لإرضاء نتنياهو بعد تجاهله فى التفاهمات مع إيران، ومن ثمّ يجب عليها التنبه جيدا لما قد يحدث فى مقبل الأيام، والعمل على بناء حائط صد إقليمى ودولى لمنع الاحتلال من تهجير الفلسطينيين عبر تنفيذ المرحلة الثانية من اتفاق وقف النار، والاستعداد لحماية حدودها واستقرارها بكل قوة ممكنة، حتى لا تتحول أرضها، خصوصا سيناء إلى وطن بديل للفلسطينيين كما يحلم المتشددون والمتطرفون فى الكيان الصهيونى.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2026 ShoroukNews. All rights reserved