فى التكيُّف ومُسَايَرة الحَال

بسمة عبد العزيز
بسمة عبد العزيز

آخر تحديث: الجمعة 26 يونيو 2026 - 6:15 م بتوقيت القاهرة

أذكر صديقًا ألمانيًا وصل القاهرة فى زيارة قصيرة؛ مضى عليها عقدان أو أكثر قليلًا. جلس فى مقعد السيارة الخلفيّ مبتسمًا، ثم إذا به يطلق صيحاتٍ متتابعة مع كل انحناءةٍ عادية، ومع كل استعمالٍ طبيعى للمكابح؛ بينما يُعلِن فزعَه الشديد من وجود المارة وسَط العربات، ومن الإشارات الضوئية التى يفسرها الجَّميع على غير معناها. لم يتمكن طيلة رحلته من التغلُّب على المخاوف التى انتابته، ولا كفَّ عن محاولة تنبيهنا للمخاطر المُحيطة. مرَّ الوقت وعاد الصديقُ مُجددًا؛ إنما فى ثوبٍ جديد. كان قد اكتسب مناعةً واضحة؛ اعتاد شوارعنا وتكيَّف مع صفاتها؛ بل واستطاع الحصول على تصريح بالقيادة فيها وراح يستمتع باللا نظام؛ كأسلوب حياة مُتجذّر أصيل.


• • •
تقول الحِكمةُ العربِيَّة الأنيقة: "إذا كنت فى روما فافعل كما يفعل الرُّومان"، والقَّصد ألا يشذُّ الواحد عن البيئة التى يعيش فيها وأن يتبع الأعرافَ السائدة؛ إذ أغلب الظنّ أنها بُنِيَت على أسباب وجيهة ولها عند أهلها دوافع ومُبررات مقبولة، ولا شك أن عديدَ المُمارَسات قد ترسَّخت على مرّ الأزمنة، ومع تراكُم الخِبرات والتَّجارِب، والقاعدةُ الذهبية فى هذا الصَّدد تقول: "أهلُ مَكة أدرى بشعابها"، على هذا فإنهم متى سلكوا طريقًا بعينها وحادوا عن أخرى؛ كان اختيارهم هو الأنسب والأكثر مُلاءمة، والأجدى حينئذ المُضيّ فى أثرِهم والحِرص على عدم مفارقتهم.


• • •
كثيرةٌ هى المواعظ التى تنصح الفردَ بالتأقلُّم على ما يتبنَّى المجتمع من عادات، والتى تُزين له الالتزام بها وعدم الخروج عنها؛ وإن لم يرَ فيها فائدةً آنية مُحقَّقة، وإن تبيَّن أن لها مضارًا أكيدة. الحقيقة أن كلَّ شاذٍ يمارسه الجَّمع يفقد تدريجيًا شذوذه، ويتحوَّل إلى سلوكٍ طبيعيّ لا لوم على مُرتكِبه، وهو ما يتيح خلق فُرَص جمَّة لخرق القواعد العامة المُتعارَف عليها وتفكيكها، ولتوسيع المَساحات التى يُمكن من خلالها استيعاب المزيد من الأخطاء والتسامُح معها. إذا اعتاد المواطنون البَصقَ على الأرض؛ تبعهم السائحون والزوار بلا ضغينة، وإذا عبر بعضُهم نهر الطريق دون الالتفات إلى مَوضِع الخطوط المُخصَّصة للمشاة؛ حذا حذوهم الآخرون فى حماسة، والعادة تمتدُّ وتنسَحِب على جوانب المعيشة كلها.


• • •
بعضُ المرات يختار الشَّخصُ هيئةً غريبة، لافتة؛ بل ومُستفِزَّة إلى الدرجة التى تضايق الآخرين وتدفعهم لتوجيه الانتقادات، وربما يستعينون فى مواجهته بالنصيحة القديمة: "كُل اللى يعجبك والبس اللى يعجب الناس"، والقَّصد منها أن ثمَّة ما يمكن للمرءِ أن ينفردَ بتقريره، وما قد يحقّ للمحيطين به أن يتدخلوا فيه. يُنظَر للرداء هنا كشأن خارجيٌّ ظاهر، تتفاعل معه الأعين؛ فترضى به أو تنزعج منه، أما الطعام فأحد الشئون الداخلية التى يتعامل معها الجسم فى خصوصية وانفراد؛ لكن الأمر لا يمضى على هذا القدر من البساطة، فالجدل يمتدُّ ويتواصَل عند محاولة الوقوف على طبيعة حريات الفرد وتحديد مداها، وقد تتأتى المُحاججة فى أتفه الأمور وأهونها، فيُقال على سبيل المثال إن مِن الطعام ما قد يؤذى غيرَ آكلِه، ولا بأس من الاعتراف بأن بعضَ المكونات الغذائية حادَّة الأثر؛ كالبصل والثوم تتسبَّب فى رائحة نفاذة، تصلُ الأنوفَ القريبة وتنعكس على الحضور، وتجعلُ صاحبها محلَّ امتعاض.


• • •
وَقَعت بين صفحاتِ كتابٍ قديم على الأمثولة المُدهشة: "إن كنت فى بلد تعبد العِجل؛ حِشّ واعلفه". الكلماتُ صريحة لا مواراة فيها ولا تجمُّل أو استحياء. العِجلُ رَمزٌ لكلّ سطوَة غير مُستحقَّة؛ يحيطها الناسُ بمظاهر القداسة، وعبادته إذًا تحمل إيحاءات جمَّة؛ فهؤلاء العابدون لا يفكرون فى أمرهم ولا يعقلون أفعالهم، والمعنى يوحى رغم طرافته بتداعيات مُخيفة؛ خاصة فى ضَوْءِ الصياغة الآمِرة التى تحثُّ الغريبَ على اتباع أهل المكان ولو بدا تصرفُهم غير مُستساغ.


• • •
تمضى عشراتُ الحِكم والمأثورات على نهج مُوحَّد، ترحب بالانضمام إلى القطيع والتماشى معه، وتنصح دومًا بعدم الانسلاخ عنه، ولا شك أنها ترى فى الالتزام بمساره سُبُلَ السَّلامة والأمان. هى بمنزلة مَوروث ثقافيّ أصيل، تأسَّس على مدار عقود من القهر والإخضاع، ولا مفرّ من القول بأن معظمَ الناس قد أفنوا أعمارَهم فى ترسيخ قِيم الرُّضوخ والصَّبر، وأعطوا الأولوية لتدجين أنفسهم إزاء ما يستَجد من نوازل.


• • •
أقوالٌ قليلة تُخالِف الشائعَ ولا تدعو للتحرُّك فى ركابِ الأغلبية بغير بصيرة، ومنها المأثور الشعبيّ خفيف الروح الذى يقرر أن: "كلّ واحد ينام ع الجنب اللى يريَّحه". الناس متباينون فى سماتهم، متنوعون فى استقبالهم للمؤثرات وتعاملهم معها، ومن ثم لا يتوجب أن يُسعِد كلًّا منهم الأمر نفسه ولا أن يشقيه، والحقيقة أن الجانب المريح الذى قد يجتمع عليه الناس كلهم، هو ما يكفل لهم عيشة الكفاية والكرامة دون سواه.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2026 ShoroukNews. All rights reserved