بين السيد المسيح عليه السلام والتلاميذ

رجائي عطية
رجائي عطية

آخر تحديث: الأربعاء 26 أغسطس 2020 - 9:10 م بتوقيت القاهرة


من العبارات ذات المغزى الكبير فى الإنجيل، أن السيد المسيح عليه السلام مضى شوطا بعيدا فى دعوته دون أن يقول إنه هو المسيح المنتظر، فشاع ذكره فى القرى وتساءل الناس عنه: من يكون؟ وتختلف وتتباين الإجابات، والمسيح لا يقول إنه المسيح. بل وسألهم بعد شيوع ذكره وتساؤل الناس عنه: وأنتم من تقولون إنى هو؟ فأجابه بطرس: أنت المسيح. فانتهره عليه السلام وأوصاهم ألا يذكروا ذلك لأحد فى رواية إنجيل مرقس، أما فى إنجيل متى فقد روى أن بطرس قال: «أنت هو المسيح ابن الله الحى»، فأجاب يسوع: طوبى لك يا سمعان بن يونا. إن مخلوقا من لحم ودم لم يعلن لك ولكنه أبى الذى فى السماوات. وأنا أقول لك إنك أنت بطرس (بيتر) وعلى هذه الصخرة أبنى كنيستى....
أما إنجيل لوقا فالرواية فيه أقرب إلى رواية إنجيل مرقس، والرواية فى إنجيل يوحنا
 إن السيد المسيح أحس أن الناس يتراجعون عنه «وأن كثيرا من تلاميذه رجعوا إلى الوراء
 ولم يمشوا معه، فقال للاثنى عشر: ألعلكم أنتم تريدون أيضا أن تذهبوا؟.......» 
(إنجيل يوحنا 6: 66 ـ 71).
وقد تسمى كثيرون باسم التلاميذ، فقال لهم كما جاء فى إنجيل يوحنا: «قال يسوع لليهود الذين آمنوا به إنكم إن ثبتم فى كلامى كنتم بالحقيقة تلاميذى، تعرفون الحق والحق يحرركم. فأجابوه: إننا ذرية إبراهيم ولسنا عبيدا لأحد، فكيف تقول إنكم ستصيرون 
أحرارا؟.. قال: الحق الحق أقول لكم إن كل من يعمل الخطيئة فهو عبدللخطيئة، 
والعبدلا يبقى فى البيت أبدا. إنما يبقى فيه الابن إلى الأبد، فإن حرركم الابن فبالحقيقة تكونون أحرارا.. أنا عالم أنكم ذرية إبراهيم، لكنكم تريدون قتلى لأن كلامى لا يقع منكم موقعا.....»، وحين قالوا إن أباهم إبراهيم، قال لهم: «لو كان أباكم لعملتم عمله، ولكنكم الآن تطلبون دمى وأنا إنسان كلمكم بالحق الذى سمعه من الله» (إنجيل يوحنا 8: 30 ـ 40).
ويخرج الأستاذ العقاد من القصة التى استكمل روايتها نقلا عن الأناجيل ـ أن العبرة منها أن السيد المسيح مضى فى دعوته زمنا ولم يذكر لتلاميذه أنه هو المسيح الموعود، وأنه كان يعلم ممن يطلبون التتلمذ عليه أنهم لا يدركون ما يقول، ولا يفرقون بين لغة الحس ولغة الروح أو لغة المجاز، وأنه أشفق يوما أن ينفض عنه تلاميذه المختارون كما انفض هؤلاء الذين أرادوا أن يحسبوا أنفسهم من التلاميذ، وزعموا أنهم مثله فأنكر عليهم دعواهم وقال لهم: «إنما بنوة الله بالأعمال، وإنما أنتم بأعمالكم أبناء إبليس».
والشائع أن التلاميذ كانوا طائفة من صيادى السمك فى بحر الجليل، والواقع أنهم كانوا طائفة تقرأ وتكتب وتتردد على مجامع الوعظ والصلاة، ولكنهم لم يبلغوا مبلغ الفقهاء فى زمانهم.
ويذكر الأستاذ العقاد أن الدعوة استمالت إليها فى عصر المسيح وبعده ـ طائفة من المثقفين العلماء مثل «نيقوديمس» عضو المجمع الأعلى، ومثل الطبيب لوقا صاحب بولس الرسول، ومنهم بولس الرسول نفسه وهو أستاذ فى فقه الدين عالم بالتواريخ.
واختار السيد المسيح عليه السلام اختار أولا اثنى عشر تلميذا ثم اختار من بعدهم سبعين وأوصاهم أن ينطلقوا بالدعوة اثنين اثنين، وأنه عليه السلام كان يحذرهم على الدوام من الفتنة الموبقة التى يتحطم عليها نظام كل جماعة.. وهى فتنة التنافس على الرئاسة، فعلمهم أن الأول فيهم هو خادمهم وضرب لهم مثلا فذا فى تاريخ الدعوات ليحفظوا جماعتهم من غواية الرئاسة. وحصر جهده فى تعويدهم « إنكار الذات » وأنه فضيلة الفضائل فى الأعمال العامة.
الأناجيل
الإنجيل كلمة يونانية الأصل، بمعنى البشارة أو الخبر السعيد، وقد جرى فى القرن الأول للميلاد تداول عشرات الأناجيل، ثم ارتضى آباء الكنيسة أربع نسخ منها بالاقتراع، هى إنجيل مرقس، وإنجيل متى، وإنجيل لوقا، وإنجيل يوحنا، مع طائفة من أقوال الرسل المدونة فى العهد الجديد.
ويرجح المؤرخون المختصون ـ فيما يذكر الأستاذ العقاد ـ أن الأناجيل جميعا تعتمد على نسخة آرامية مفقودة يشيرون إليها بحرف ك «Q»، مختزل من كلمة «كويل Quelle» بمعنى الأصل، وهم يعللون اتفاق متى ولوقا فى بعض النصوص بأنه لاعتمادهما معا على تلك النسخة المفقودة.
أما الأناجيل الموجودة الآن، فقد كتبت جميعا باليونانية العامة ولوحظ فى ترجمتها 
أنها تعتمد على نصوص آرامية وتحافظ على ما فيها من الجناس وترادف المعانى 
والمفردات، وتتفق الآراء على أن الأناجيل لا تحتوى كل ما فاه به السيد المسيح، ويستدلون على ذلك بعبارة وردت بأعمال الرسل صادرة عن السيد المسيح لم ترد فى الأناجيل، هى 
قوله: «تذكروا كلمات المسيح. أن العطاء مغبوط أكثر من الأخذ».
وتتفق الآراء على أن اثنين من كتاب الأناجيل هما: مرقس، ولوقا ـ لم يلتقيا بالسيد المسيح، فقد دون مرقس ما سمعه من بطرس الرسول بغير ترتيب وعلى غير قصد فى التجميع، ودون لوقا ما سمعه من بولس الرسول، ولعله أضاف إليها جزءا من النسخة المفقودة ثم جزءا من إنجيل مرقس بعد إطلاعه عليه.
وعن إنجيل يوحنا، فيورد الأستاذ العقاد أن أكثر النقاد يجمعون على أن كاتبه هو «يوحنا» تلميذ السيد المسيح، وهذا الرأى لا يتفق ـ فى نظرى ـ مع ما تقاطرت عليه معظم الآراء من أن هذا الإنجيل كتب بين سنة 95 وسنة 98 للميلاد، مما يورى بأن كاتبه لم يلاق السيد المسيح، الأمر الذى يرجح معه رأى الآخرين بأن كاتب هذا الإنجيل «يوحنا» آخر كان فى «أفسس» ولم ير السيد المسيح، ولأن يوحنا تلميذ المسيح هو صاحب سفر الرؤيا المؤلف على أصح الأقوال ـ فيما يورد الأستاذ العقاد ـ سنة 76 م.
ويذكر الأستاذ العقاد أنه خلافا لهذا كله، يقرر الأب «فرار فنتون» مترجم الإنجيل أن إنجيل يوحنا هو أقدم الأناجيل. وليس آخرها كتابة كما يقال، وأنه كتبه أولا بالعبرية بين سنة 36 وسنة 40 م ثم نقله إلى اليونانية، بيد أن ما ينفى رأيه أن محتوى هذا الإنجيل ثابت فى تفصيله بعض ما أجملته الأناجيل، مع زيادة فى التعبيرات الفلسفية، والتوسع فى شرح العقائد التى أُثرت عن بولس الرسول، مما لا يتفق مع هذا الرأى القائل بأنه أقدم الأناجيل وأولها كتابة.
والترتيب المفضل عند المؤرخين أن إنجيل مرقس هو أقدم الأناجيل، ثم يليه إنجيل متى فإنجيل لوقا، وهى الأناجيل الثلاثة التى اشتهرت باسم أناجيل المقابلة، لإمكان المقابلة فيما بينها من الأخبار والوصايا، ثم تلا هذه الأناجيل إنجيل يوحنا.
ويذكر الأستاذ العقاد أنه عول فى دراسة شخصية السيد المسيح على هذه الأناجيل؛ حيث لم يجد مراجع أوفى منها لدراسة حياته وأطوار رسالته، منوها إلى أنه لم يتعرض للمعجزات التى وردت فيها، لأن تفسير الحوادث منساق بغيرها، فليس فى الأناجيل أن معجزات الميلاد حملت أحدا على الإيمان بالرسالة المسيحية، وأنه من الحق أن نقول إن معجزة المسيح الكبرى هى هذه المعجزة التاريخية التى بقيت على الزمن: رجل ينشأ فى بيت نجار فى قرية خالية بين شعب مقهور، يفتح بالكلمة دولا تضيع فى أطوائها دولة الرومان، ولا ينقضى عليه من الزمن فى إنجاز هذه الفتوح ـ ما قضاه الجبابرة لضم إقليم واحد. وهذه معجزة كبرى شاهدة على أن الكلمة حققت به ما تعجز عنه أقوى ما تمتلكه الأجسام!.
‏Email :rattia2@hotmail.com
‏www.ragai2009.com

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2020 ShoroukNews. All rights reserved