الآن حان وقت امتحان إيال زامير.. ورغبة نتنياهو فى إشعال الجبهات
من الصحافة الإسرائيلية
آخر تحديث:
الأربعاء 26 أغسطس 2026 - 7:05 م
بتوقيت القاهرة
عشية الجولة الثانية من الانتخابات التى جرت فى سبتمبر 2019، أُطلقت صواريخ من غزة فى أثناء زيارة بنيامين نتنياهو لأشدود، وأفادت التقارير، فى الأيام التى تلت ذلك، بأن رئيس الوزراء طالب الجيش الإسرائيلى بشن عملية واسعة النطاق على القطاع، لكنه واجه معارضة من رئيس هيئة الأركان آنذاك، أفيف كوخافى، ومن مسئولين كبار آخرين، بمن فيهم المستشار القانونى للحكومة أفيخاى ماندلبليت؛ رأى هؤلاء أن مثل هذه الخطوة ربما يؤدى إلى مواجهة واسعة عشية الانتخابات، وأنها تتطلب قرارًا من مجلس الوزراء.
لكن ما لم يُنشر هو أن الخلاف شمل أيضًا مكالمة هاتفية غاضبة ما بين نتنياهو وكوخافى، قال خلالها الأخير بصراحة إن عملية من هذا النوع، يعرّفها القانون بأنها «ربما تؤدى إلى حرب»، تتطلب موافقة مجلس الوزراء، وأن مجمل الاعتبارات المتعلقة بتنفيذها يجب أن يأخذ فى الحسبان أيضًا احتمال أن يرى جزء كبير من الجمهور أنها تنفَّذ بدوافع سياسية. فتراجع نتنياهو، وبعد شهرين على الانتخابات، جرى اغتيال القيادى فى حركة الجهاد الإسلامى بهاء أبوالعطا، الذى كان الهدف الرئيسى لمطلب نتنياهو، وفقًا للتقارير.
لم تكن هذه أول مرة يُطرح فيها عامل قُرب موعد الانتخابات فى النقاش المتعلق بشن عملية عسكرية؛ ففى أثناء عملية "عمود السحاب" فى نوفمبر 2012، قال وزير الخارجية أفيغدور ليبرمان إنه لا يمكن شن عملية برية واسعة على غزة قبل شهرين من انتخابات الكنيست، لأن توقيتها سيخلق وضعًا لن يحظى بشرعية شعبية، وأضاف: «يجب القضاء على «حماس»، لكن ليس قبل الانتخابات».
ومن المهم التذكير فى هذا السياق بأن رئيس الوزراء، خلافًا لِما يُعتقد عادة، ليس القائد الأعلى للجيش، فالجهة المخوّلة الإشراف عليه، وفقًا للقانون، هى الحكومة بكامل هيئتها، أو من خلال المجلس الوزارى الأمنى والسياسى (الكابينت)، لكن حتى بعيدًا عن الجانب الرسمى، فإن العلاقة بين المستويَين السياسى والعسكرى فى إسرائيل ليست نظامًا هرميًا بسيطًا؛ فالمستوى السياسى يقول «ماذا»، والمستوى العسكرى يقول «كيف»، وعمليًا، يدور بينهما حوار أكثر تعقيدًا.
يجرى هذا الحوار فى الأوضاع الطبيعية، انطلاقًا من إدراك متبادل لاختلاف النظرة لدى كل طرف، وللقيود والمصالح التى تحكمه، لكن الوقت الراهن هو الأقلّ طبيعيةً فى تاريخ إسرائيل؛ إذ لم يسبق أن كان هناك رئيس وزراء يعمل، هو ومبعوثوه، يوميًا على تقويض مكانة مُرتدى الزى العسكرى. ولم يسبق أن بدا كأن وزير دفاع لا يكاد يؤدى سوى دور استفزاز المؤسسة التى يتولى مسئوليتها. وستكون الانتخابات المقبلة من أكثر الانتخابات سمّيةً فى تاريخ الدولة؛ ويُظهر الاستطلاع تلو الآخر موافقة أكثرية الجمهور على القول إن دوافع رئيس الوزراء إلى التحرك، من إيران إلى قطاع غزة هى دوافع سياسية، قبل كل شىء، وليست اعتبارات موضوعية.
فى ظل هذا الوضع، تقع على عاتق رئيس هيئة الأركان إيال زامير وهيئة الأركان العامة مسئولية إضافية؛ فالقيادة السياسية الحالية تُظهر، المرة تلو الأُخرى، غيابًا للتقدير السليم، وتجاهلًا للشرعية الداخلية، باعتبارها موردًا فى الحرب، وتفوُّقًا للاعتبار السياسى على أى اعتبار آخر. وحتى الآن، لا تُظهر هيئة الأركان، برئاسة زامير، هذه المسئولية: فهى توافق، بل تقود تحويل الحرب إلى حرب دائمة، على الرغم من تآكل الإنجازات وتدهور وضع الجيش الإسرائيلى نفسه. ونتيجة لذلك، أصبح أيضًا تأثير هيئة الأركان فى سياسة إسرائيل من أضعف ما شهدته الدولة على الإطلاق.
كان زامير شريكًا كاملًا فى مسارات الحرب الفاشلة على غزة («عربات جدعون»، بمراحلها المختلفة)، وفى الشمال (السيطرة على «الحزام الأمنى»، التى تمنع التسوية السياسية، وتضع الجيش الإسرائيلى فى وضع مشابه لذاك الذى هرب منه فى سنة 2000)، وفى إيران (إطلاق المسار العبثى لإسقاط النظام الإيرانى، على الرغم من معارضة كبار مسئولى شعبة الاستخبارات العسكرية «أمان»)؛ أمّا الشهران المقبلان، اللذان ربما يطالب نتنياهو خلالهما بمزيد ومزيد من التحركات العسكرية التى تزيد وضع إسرائيل تعقيدًا، فسيكونان الاختبار الحقيقى لزامير.
عوفر شيلح
هاآرتس
مؤسسة الدراسات الفلسطينية