لئلاّ نكرر نواقص الماضى وعلله

علي محمد فخرو
علي محمد فخرو

آخر تحديث: الأربعاء 26 أغسطس 2026 - 7:00 م بتوقيت القاهرة

لقد بيّنا فى مقالى الأسبوعين الماضيين بشأن ضرورة إعادة بناء الاقتصاد العربى، فكرًا وأهدافًا واستراتجيات واقعية، أن الدراسات الكثيرة الحديثة تؤكد الترابط الوثيق فيما بين النظام السياسى والنظام الاقتصادى، بحيث يستحيل إجراء تغييرات جذرية فى أحدهما دون أن تسبقه تغييرات جذرية فى الآخر.

 


من هنا فان تجربة الأقطار العربية الكبيرة، مصر وسوريا والعراق، لبناء أنظمة اقتصادية قائمة على خليط متشابك من رأسمالية الدولة واشتراكية المجتمع، والتى كانت مبهرة فى بعض نجاحاتها لتحسين الحياة المعيشية والاجتماعية لملايين شعوبها، قد تراجعت وتشوهت مع مرور الوقت، بسبب النظرات والمشاكل والأزمات والإخفاقات السياسية، كما سنبين بعضًا منها فى هذا المقال.
لقد كانت تلك المحاولات الاقتصادية التقدمية الجريئة بحاجة إلى أن تسبقها أو تصاحبها نظرات ومحاولات سياسية تقدمية جريئة هى الأخرى، لكن ذلك مع الأسف تعثّر.
فأول إرباك تمثل للفكر السياسى، عندما ركز الكثيرون طيلة العقود، من 1930 - 1960، على مناقشات نظرية لفكرة القومية العربية، أصولها وتاريخها ومصادرها الأوروبية الغربية ومقدار ماركسيتها والكثير من تجاربها فى الغرب، بدلًا من التركيز على الجوانب التطبيقية الذاتية فى المجتمع العربى فى الحال، وإبداع سبل التطبيق بمساندة جموع الجماهير فى الأقطار الثلاثة على الأخص، وفى بقية الأقطار العربية الأصغر الأخرى آنذاك.
جرت هذه النقاشات النظرية الطويلة على حساب بعض المبادئ لصالح شعارات سياسية. من الأمثلة الصارخة الإصرار على تأجيل الديموقراطية لحساب الانتهاء من الصراع العربى ضد الصهيونية أو الانتهاء من هذا الاستعمار أو ذاك. والمنطق نفسه طال شعار الوحدة العربية الذى ارتأى البعض تأجيله إلى حين تثبيت الاستقلال الوطنى بصورة تامة.
ومع ذلك أجبرت الظروف الدولية والإقليمية القوى القومية على الدفع نحو محاولات توحيد بعض الأقطار العربية من مثل ما جرى فى عام 1958 من محاولة توحيد مصر وسوريا أو توحيد العراق والأردن الملكيين أو وحدة تونس والمغرب العربى فى شمال إفريقيا العربية. ولا يسع المجال ذكر محاولات أعوام 1970 لوحدة مصر وليبيا أو وحدة ليبيا وتونس والمغرب والجزائر وموريتانيا عام 1978. وجميعها برّر بوجود المشترك فى التاريخ واللغة والدين والمصالح المشتركة والقرب الجغرافى ومحاربة الاستعمار والصهيونية. لكن، ومع شديد الأسف، جميعها تعثر وانتهى بالفشل لأسباب كثيرة داخلية وخارجية كتب عنها الكثير.
ولعل أحد أسباب الفشل الوحدوى آنذاك هو إنقسام الحركة القومية إلى عدة أجنحة، أحيانًا متعاونة وأحيانًا متخاصمة، من مثل أجنحة الناصرية والبعث العربى الاشتراكى وحركة القوميين العرب، التى لو توحدت بأى شكل فعّال تحت قيادة واحدة لبنى العرب تاريخا حديثًا مبهرًا غيّر كل مكونات المنطقة العربية والإقليمية برمّتها.
ولا نحتاج أن نذكّر بالصراعات الفكرية العبثية فيما بين الحركات الإسلامية والحركات القومية، من مثل نقاشات معانى الديموقراطية والشورى، ونقاشات العلمانية والدينية والوطن العربى والخلافة الإسلامية وغيرها الذى لا يعد ولا يحصى.
بل ولم تسلم المحاولة الاقتصادية الإبداعية الذاتية نفسها، التى فصّلنا بعضًا من جوانبها الإشراقية فى مقالات سابقة، لم تسلم من المناقشات النظرية الكثيرة تلك. فالأخذ برأسمالية الدولة، حتى مع وجود الممارسة الاشتراكية فى إدارة المجتمع، اعتبره البعض تنازلًا للفكر البورجوازى وطبقته على حساب شعار الاشتراكية، التى بدورها خضعت لمناقشات طويلة بشأن مصادرها وتطبيقاتها فى العالم، فضاعت هنا المحاولات الإبداعية الذاتية الفكرية فى خضم تلك الحوارات النظرية الشعائرية.
وحتى مناقشات المعسكر الشيوعى العالمى حول نوع الاشتراكية ونوع الوصول للشيوعية نقلها البعض إلى أرض العرب لتضيف ثرثرة فكرية أخرى إلى الساحة القومية العربية فيصبح البعض اشتراكيا عربيا لينينيا والآخر اشتراكى ستالينى وثالث اشتراكى تروتسكى وماوى و... و...
وأخيرًا لن ننسى الأدوار المعرقلة لأى وحدة التى لعبها بعض العسكريين من خلال بعض الانقلابات العسكرية، وذلك من أجل الهيمنة على هذا القطر أو ذاك.
ويستطيع القارئ الراغب أن يعود إلى بعض المراجع العربية والأجنبية الكثيرة التى أفاضت فى ذكر تفاصيل الحبكات الداخلية أو الخارجية أو الصهيونية التى هى الأخرى لعبت أدوارًا كبيرة فى منع المحاولات الإصلاحية السياسية الجذرية، وبعضها الثورية، التى حاول القيام بها البعض وأفشلت محاولاته من مثل القائد الراحل جمال عبدالناصر على الأخص.
ليس الهدف هو إبراز نواقص الماضى، وإنما الهدف هو أن يعى جيل الحاضر نواقص ذلك الماضى ويجعل الحاضر متجنبا لها وواعيًا بأخطارها إن استمرت أثناءه وانتقلت إلى المستقبل. وهى مهمة نحتاج جميعًا إلى أن نجعلها فى قلب نضالنا بكل أشكاله ودرجاته.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2026 ShoroukNews. All rights reserved