التسيد على العالم فى مقابل التعاون الدولى

إبراهيم عوض
إبراهيم عوض

آخر تحديث: السبت 26 سبتمبر 2026 - 6:45 م بتوقيت القاهرة

من وظائف التنظيم الدولى، والأمم المتحدة أكمل تمثيل له، أنه محفل يلتقى فيه ممثلو دول العالم فيتعارفون ويبنون جسور التواصل فيما بينهم، ولكى يقفوا على مواقف دولهم من المسائل الدولية، التى يتفقون بشأنها أو يختلفون. الهدف النهائى الأسمى من ذلك هو توسيع مساحة التوافق بين الدول عن طريق تنمية التعاون فيما بينها. الفرضية هى أن الاتفاق المتنامى بين الدول يسمح لها بحفظ السلم والأمن الدوليين وبالتصدى للمسائل الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وغيرها، التى تواجهها. غير أنه وللأسف انكمشت مساحة التوافق وتهاوى التعاون الدولى فوصل إلى أدنى مستوياته فى الوقت الحالى. ومع ذلك تحققت وظيفة التنظيم الدولى كمحفل للقاء، وإن كان تحققًا جزئيًا، فى الأسبوع الماضى بمناسبة افتتاح الدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة.


أربعة من ممثلى دول أعضاء فى الأمم المتحدة نشروا مقالًا للرأى فى صحيفة فاينانشيال تايمز اللندنية يوم 21 سبتمبر، قبل يوم واحد من بدء أعمال الجمعية العامة، شددوا فيه على أن التعاون الدولى على شكل العمل متعدد الأطراف، ليس من سبل «المثالية» بل هو ضرورة، وأطلقوا مبادرة لتشكيل مجموعة «شركاء من أجل التعاون الدولى». سنرجع إلى المبادرة ومنطقها فيما بعد. فى اليوم التالى، ألقى الرئيس الأمريكى دونالد ترامب كلمة الولايات فى الجمعية العامة فعبر فيها عن عكس ما ورد فى مقال القادة الأربعة، وعن عزمه على تفكيك العمل متعدد الأطراف والتعاون الدولى. بدا غريبًا أن يكون مقال القادة الأربعة ردًا مسبقًا على كلمة الرئيس الأمريكى، ولكن الواقع هو أن ما ورد فى هذه الكلمة لم يكن جديدًا. هو تجميع لمواقف وآراء عبر هو ووزير خارجيته وغيرهما عنها، ووردت فى وثائق صادرة عن إدارته مثل «استراتيجية الأمن القومى»، أو فى وثائق تعتبر أدلة لعمل إدارته مثل «مشروع 2025» المحافظ الصادر عن مؤسسة «هريتج» فى إبريل سنة 2023. لما سبق نبدأ باستعراض أهم ما جاء فى كلمة الرئيس ترامب بشأن التعاون الدولى مضيفين إليه سياسات لإدارته ومواقف عبر عنها معاونوه.


• • •
الرئيس ترامب افتخر بأنه نجح فى تخفيض ميزانية الأمم المتحدة بنسبة 15 فى المائة وفى إلغاء أربعة آلاف وظيفة فى أمانات منظومة الأمم المتحدة يشغلها موظفون «لم ينتخبهم أحد» ينفذون «أجندة لأقصى اليسار».


بصرف النظر عن سلامة الأرقام التى جاء بها الرئيس الأمريكى، تجدر الإشارة إلى أن ميزانية الأمم المتحدة، بما فى ذلك، ميزانيتها العادية وميزانية حفظ السلام، بلغت فى سنة 2025، 9,2 مليار دولار، وهى أدنى من ميزانية الشرطة فى مدينة نيويورك، حيث تقع أمانة المنظمة- التى بلغ إنفاقها فى نفس السنة 11,9 مليار دولار، وهى أقل كذلك من ميزانية مدينة أوسلو، عاصمة النرويج، البالغ سكانها 730.000 والتى بلغت 10.1 مليار دولار فى سنة 2025. ميزانية الأمم المتحدة شديدة التواضع، خاصة إن أخذنا فى الاعتبار الأدوار المنتظرة منها. إن إجمالى ميزانيات منظومة الأمم المتحدة، أى منظمتها ووكالاتها المتخصصة وبرامجها وصناديقها، فهو بلغ 69 مليار دولار فى سنة 2025، أى ما يمثل أقل من 0.0006، أقل من واحد على عشرة آلاف، من الناتج العالمى الإجمالى فى نفس السنة. واضح أن منظومة الأمم المتحدة ليست عبئًا على الاقتصاد العالمى. الاحتفاء بتخفيض ميزانياتها لا يمكن أن يعنى إلا الاحتفال بالنجاح فى إضعافها وبمزيد من تقويض التعاون الدولى. أما الموظفون غير المنتخبين، فهم لا يصوغون السياسات. هم ينفذون السياسات التى تحددها أغلبية الدول الأعضاء بالقرارات التى تعتمدها. الهجوم على أمانات الأمم المتحدة وعلى موظفيها هو فى حقيقته هجوم على قرارات الدول الأعضاء وعلى مواقف هذه الدول نفسها وعلى قيمها، ورفض مستتر لاعتبارها متساوية مع الولايات المتحدة فى اتخاذ القرار، وهو المبدأ الديمقراطى فى الأنظمة السياسية الداخلية والخارجية باستثناء نظام مجلس الأمن. السبب الحقيقى لهجوم الرئيس الأمريكى على الموظفين الدوليين يفسر رفضه فى نفس كلمته أمام الجمعية العامة لفكرة الحكومة العالمية.


فى حقيقة الأمر هو يرفض فكرة حكومة عالمية ديمقراطية يتساوى البشر والدول فى اتخاذ قراراتها. فى الجنوب العالمي، الفكرة مرفوضة لأن مثل هذه الحكومة، إن قامت، لن تكون ديمقراطية بل سيسودها الأقوى ليفرض أيديولوجيته ومصالحه على العالم. بينة على ذلك فى نفس كلمة الرئيس الأمريكى أمام الجمعية العامة تفاخره بالقبض على رئيس فنزويلا، وفى مناسبة أخرى بالاستيلاء على نفطها، وبالعمل على القضاء على النظام الحاكم فى كوبا، واستنكاره للوضع فى المكسيك.


• • •
مقاربة الرئيس الأمريكى هى مقاربة التسيد على أمريكا اللاتينية وعلى العالم. فى كلمته هو هاجم أيضًا المنظمة البحربة الدولية لأنها دعت إلى ضريبة على الكربون، بينما الذى دعا هى الدول الأعضاء فى المنظمة. وهو هاجم أيضًا المحكمة الجنائية الدولية ودعا الدول الأعضاء فيها إلى الانسحاب منها، كما أنه أعلن عن رفضه أى ضوابط للبحث فى الذكاء الاصطناعى وفى تنميته واستخداماته على الرغم من حاجة البشرية إلى هذه الضوابط وشبه الاتفاق العام على ضرورتها. لا مساواة بين الولايات المتحدة، من جانب، والدول الأعضاء الأخرى فى المجتمع الدولى، من جانب آخر، لدى الرئيس الأمريكى وإدارته. ولعل أبلغ مثال على استهتار الولايات المتحدة، بلا أى مواربة، بسيادة كل من الدول الأخرى، وبنفس مبدأ المساواة فى السيادة، هو العقوبات الثانوية التى تفرض على الدول الأخرى إنزالها بإيران. العقوبات الثانوية هى العقوبات التى تفرضها الولايات المتحدة على المطارات التى تستقبل الطائرات الإيرانية مثلًا، أو على الشركات التى تتاجر مع إيران، أو على البنوك التى تمول عمليات تجارية أو غيرها معها. بعبارة أخرى، الولايات المنحدة فى عهد الرئيس ترامب تريد أن تفرض على الدول الأخرى السياسات التى تتبعها تجاه إيران. إن كان هذا خطيرًا فى حالة إيران، فإن الأخطر منه أنه سابقة يمكن للولايات أن تطالب فى المستقبل بتطبيقها على غيرها من الدول إن هى اختلفت معها. وزير الخارجية الأمريكية اختصر الموضوع برمته منذ أيام عندما قال إن القانون الدولى يتوقف العمل به عندما يتعلق الأمر بالمصلحة الوطنية الأمريكية. إن طبقت كل الدول ما قاله الوزير الأمريكى ينتفى القانون الدولى ويصير المجتمع الدولى فوضى بلا قواعد تهدى الأعضاء فيه، أو أن تصبح القواعد وقفًا على كل الدول عدا الولايات المتحدة التى تسود بذلك العالم وتسودها.


• • •
فى مقابل مقاربة الرئيس الأمريكى وإدارته، فى مقالهم يقر الرئيسان البرازيلى والكيني، ورئيس الوزراء الكندى، ورئيس المجلس الأوروبى بأن البعض قد يرى أن التعاون الدولى قد فشل فى تحقيق الهدف منه، ويسجلون أن النظام متعدد الأطراف الحالى لا يعكس واقع عالم اليوم، إلا أن الحاجة إلى التعاون الدولى ما زالت حية تمامًا. «عالم ما بعد الحرب العالمية الثانية انقضى منذ وقت طويل، ولكن المنطق الذى استند إليه التعاون الدولى أكثر سلامة من أى وقت مضى». فى رأى كاتبى المقال، العالم متشابك كما لم يكن من قبل، ولا التغير المناخى، ولا الأوبئة، ولا الذكاء الاصطناعى وآثاره، ولا التصدى للنزاعات المسلحة، ولا حرية الملاحة فى البحار والمضايق، وغيرها تحديات كثيرة كالأسلحة ذاتية الإطلاق، لا يمكن أن تتعامل معها دولة بمفردها أيًا كانت قوتها. بينة على ذلك أنه رغم قوتها العسكرية التى تباهى بها الرئيس الأمريكى فى كلمته، لا لم تستطع الولايات المتحدة فى الشهور الأخيرة تأمين حرية المرور فى مضيق هرمز فتأثر الاقتصاد العالمى برمته. التعاون الدولى لضمان حرية المرور المنشودة، ولتأمين غيرها من السلع العامة الضرورية للاستتقرار الدولى ليس «مثالية» كما يحلو للبعض اعتباره من باب السخرية. على العكس، القادة الأربعة أصحاب المقال يرون فيه ضرورة عملية، بالنسبة إليهم مبادئ راسخة لا يمكن التفاوض بشأنها هى المساواة فى السيادة، وسلامة الأراضى، والتسوية السلمية للمنازعات، وحظر استخدام القوة أو التهديد بها، واحترام القانون الدولى الإنسانى وذلك من أجل تحقيق التنمية المستدامة واحترام حقوق الإنسان والحريات الأساسية. دعوة أصحاب المبادرة كانت إلى التعاون بديلًا عن التفتت، وإلى إعلاء القانون على القوة، وإلى الاشتراك فى تحمل المسئولية وليس الانقسام بشأنها.


لعل الجانب الأعظم من الجنوب العالمى ينضم إلى المبادرة، فدوله ومجتمعاته هى الأكثر احتياجًا إلى التعاون الدولى وإلى قواعد قانونية تهتدى هى وغيرها بها من أجل تحقيق مصالحها فى السلم والأمن والتنمية. التعاون الدولى المجدد الآخذ باعتبارات توزيع القوة فى عالم اليوم والمتصدى للقضايا العالمية المشتركة، القديم منها والمستحدث، هو الكفيل بأن يحقق لدول الجنوب العالمى، ومنها دولنا العربية، مصالحها ويرعى حقوقها فى السيادة والأمن والتقدم. أما ما عدا ذلك من وعود لا أرضية لها، متينة أو غير متينة، فهى ستذهب أدراج الرياح.


أستاذ الأبحاث بالجامعة الأمريكية بالقاهرة

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2026 ShoroukNews. All rights reserved