فى حضور إبراهيم نصر الله

أحمد عبد ربه
أحمد عبد ربه

آخر تحديث: السبت 26 سبتمبر 2026 - 6:45 م بتوقيت القاهرة

يوم الخميس الماضى ٢٤ سبتمبر، شرفت جامعتى بحضور الشاعر والأديب والروائى الأردنى ــ الفلسطينى الكبير إبراهيم نصر الله. زيارة نصر الله كانت ضمن جولة يقوم بها فى الولايات المتحدة الأمريكية لزيارة بعض الجامعات والمجتمعات الأدبية الأمريكية، وذلك على هامش حصوله على جائزة «نيوستاد العالمية للآداب» التى تمنحها جامعة أوكلاهوما ومجلة الأدب العالمى، والتى تُعد إحدى أرفع الجوائز الأدبية العالمية، ويطلق عليها البعض اسم «نوبل الأمريكية»، وقد حصل نصر الله على هذه الجائزة الرفيعة وكانت روايته «زمن الخيول البيضاء» العمل الممثل له فى الترشيح والفوز بالجائزة، لكنها فى الوقت ذاته تعبير عن الامتنان والتقدير والإعجاب من مجتمعات الأدب العالمية لمجمل أعمال نصر الله، والتى تبلغ زهاء ١٥ ديوانًا شعريًا وأكثر من ٢٠ رواية أدبية، أبرزها على الإطلاق «الملهاة الفلسطينية» والتى تغطى بعبقرية أكثر من قرنين ونصف القرن من تاريخ فلسطين، وأشعر بالخجل من نفسى لأنه لم يتسنَّ لى أن أقرأ أى رواية من الـ١٢ رواية التى تكوّن هذه الملحمة الأدبية.


نال نصر الله، المولود فى عمّان لأبوين فلسطينيين تم تهجيرهما من قريتهما القريبة من القدس مع النكبة الفلسطينية ١٩٤٨، عشرات الجوائز الأخرى، ولعل أبرزها جائزة البوكر العربية عن روايته «حرب الكلب الثانية»، كما اختار الكاتب مات ريس فى صحيفة الجارديان البريطانية روايته «برارى الحُمّى» ضمن قائمته لأفضل ١٠ روايات تدور أحداثها فى العالم العربى، فضلًا عن ترجمة العديد من أعماله إلى الفرنسية والإيطالية والإنجليزية.


استضافت كلية الآداب فى جامعتى نصر الله ليلقى بعضًا من أشعاره ويتحدث مع الحضور عن تجربته الشعرية والروائية، وقد كنت محظوظًا ولكن متوترًا فى الوقت نفسه عندما دعتنى عميدة كلية الآداب لأساعد فى الترجمة الفورية بشكل طوعى لهذا اللقاء العام، فقد كنت محظوظًا لأجلس بجانب أحد أعظم الشعراء والروائيين العرب فى العصر الحديث الذى يحظى بكل هذا الحب والتقدير العالمى، ولكنى كنت متوترًا فى الوقت نفسه لأنى لست مترجمًا محترفًا وخصوصًا فى مجال الأدب والشعر والرواية، فضلًا عن أن الترجمة الفورية من الإنجليزية إلى العربية ومن العربية إلى الإنجليزية مسألة تحتاج إلى تخصص وتدريب وخبرة، ولكن بسبب محدودية الميزانية فلم أرفض القيام بهذا العمل تطوعًا، لأنه لا يمكن أبدًا أن يمر مثل هذا اللقاء الهام بدون تواصل بين هذا الشاعر والروائى الكبير وبين الجمهور والحضور الأمريكى!


رغم أننى عادة لا أحضر لقاءات ولا ندوات شعرية، وربما تكون طبيعة عملى البحثى، الذى تستولى عليه السياسة الداخلية والعالمية، هى السبب فى ذلك؛ حيث إن السياسة والعمل حولها قادران على محو أى مشاعر أو قدرات أو أذواق فنية أو أدبية أو شعرية لدى الإنسان، إلا أنه بمجرد أن بدأ نصر الله بإلقاء شعره وقصائده بإيقاع ساحر ومعانٍ إنسانية عميقة حول القضية الفلسطينية ومعاناة أهلها على مدار العقود الثمانية الماضية، بل ومنذ مطلع القرن العشرين، تملكنى هذا الإحساس الغريب بالحنين والشعور بالألم والحزن والأمل، ولا أعلم كيف طالتنى كل هذه المشاعر المتناقضة فى نفس الوقت وكأنه قد طالنى السحر، وهكذا رأيت حال معظم الحضور، رغم أن الترجمة إلى الإنجليزية أفسدت الإيقاع الموسيقى للأشعار بعض الشىء، إلا أن سحرًا مماثلًا قد طالهم لأن قوة وصدق الكلمات والأداء والموهبة لدى نصر الله كانت كفيلة بأن تتخطى جمود الترجمة وعدم قدرتها على نقل نفس المعانى والمشاعر!.


بعد ساعة ونصف من هذا السحر الرائع الذى بيّن، بدون أى عنف لفظى ولا غلاظة ولا اتهامات، المأساة الحقيقية الممتدة التى تعرض ولا يزال يتعرض لها الفلسطينيون فى الداخل والخارج، بدأت فقرة الأسئلة والأجوبة التى امتدت لمدة ساعة أخرى، رد فيها نصر الله على كل الأسئلة السياسية والأدبية والشعرية بل والتكنولوجية بصدق وبعمق كبير كان قادرًا على تحريك مشاعر الحضور مهما كانت حساسية بعض الأسئلة أو الأجوبة فى السياق الأمريكى، ولا سيما فى السياق الجامعى والأكاديمى على مدار السنوات الماضية بسبب هجمات السابع من أكتوبر والحرب على غزة.


• • •

لفت نظرى العديد من الأسئلة والطريقة والمنطق الذى استخدمه نصر الله فى الرد عليها بعمق إنسانى تخطى التعريفات القانونية والسياسية الضيقة والمحدودة بطبيعتها للعديد من المفاهيم! مثلًا سألته طالبة أمريكية من أصول لبنانية/ مصرية عن خوف أو تردد بعض الطلاب والطالبات من أصول عربية من المشاركة فى بعض الأنشطة الطلابية الجامعية بخصوص القضية الفلسطينية، فرد بأن «الكلمة» وحدها تكفى للتعبير القوى عن الموقف وعن الحقيقة، وهذا فى حد ذاته يكفى لمن يشعر بالخوف أو التردد فى التعبير عن القضية.


سأله أستاذ مرموق للأدب الإنجليزى فى الجامعة عن شعور بعض الكتاب والأدباء والشعراء بأن العمل الأدبى قد يبدو أحيانًا غير كافٍ وضئيلًا للغاية للتعبير عن القضايا الكبرى التى تشغلهم، مثل القضية الفلسطينية أو غيرها من القضايا العادلة الدولية، فرد نصر الله بأن العمل الأدبى قد يكون له تأثير أكبر بكثير من عشرات الطرق أو الأعمال الأخرى للرد، لأن العمل الأدبى يخاطب الإنسان ويخاطب ضميره، حتى وإن تظاهر هذا الإنسان بعكس ذلك لمصالح شخصية أو لأهواء فى نفسه أو حتى خوفًا من العواقب. ولكن عبّر نصر الله فى الوقت نفسه عن تعجبه من بعض الكتاب أو الأدباء الذين يكتفون بعمل أدبى واحد طوال حياتهم، قائلًا إن هذا البخل فى الأدب والفن ممن يملكون المواهب والقدرة على إنتاج المزيد من الأعمال غير مقبول، لأنه يحرم الإنسانية من فهم الحقيقة الكاملة التى قد لا تُفهم من خلال السياسة، ولكنها حتمًا تُفهم من خلال الأعمال الأدبية الإبداعية!


• • •
كان هناك أيضًا سؤال لنصر الله عن تعريف ما حدث ويحدث لأهل غزة بأنه «إبادة جماعية» واعتراض البعض على هذه التسمية، فقال لمن يعترض على التسمية: كم يكفيكم من أهل غزة للموت فى اليوم الواحد ليقنعكم بأن ما يحدث «إبادة جماعية»؟ ١٠٠ قتيل مدنى فى اليوم؟ ٥٠٠؟ ١٠٠٠؟ وإن كانت كل هذه الأعداد التى تسقط فى اليوم الواحد قتلى من أبرياء مدنيين، منهم أطفال ونساء وعجزة، غير كافية، فهل لا يكفى أن يتحدث وزير إسرائيلى عن رغبته فى إلقاء قنبلة نووية على غزة حتى نسمى ما يحدث إبادة؟
كانت هناك عشرات الأسئلة الأخرى، والمبهر أن نصر الله أصر على الإجابة على كل هذه الأسئلة، حتى لو كانت من الطرف أو الأطراف الأخرى فى القضية، معتبرًا أن هدفه ودعوته دائمًا هما السلام والتعايش والعدل لكل الإنسانية، وهو ما كان كافيًا لإقناع الحضور بمنطقه وبعدالة قضيته التى عاش يدافع عنها من خلال أعماله الأدبية.


أتمنى لنصر الله طول العمر ودوام الإبداع، وقد كنت محظوظًا بأن أرى أحد عمالقة الأدب والشعر والكتابة العربية حاضرًا بجوارى، وأنا الذى أعيش على بعد آلاف الأميال من العالم العربى، بل وكنت محظوظًا أيضًا برؤية الإنسان إبراهيم نصر الله، وقد حظيت بعشاء معه ومع زوجته تعرفت فيه أكثر على شخصيته بعيدًا عن الأضواء، وهى شخصية شديدة التواضع وشديدة العذوبة، لا تختلف أبدًا عن شخصيته العامة، وهكذا عهدت دائمًا شخصيات العظماء.


أستاذ مشارك العلاقات الدولية، والمدير المشارك لمركز دراسات الشرق الأوسط بجامعة دنفر

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2026 ShoroukNews. All rights reserved