عناوين وأكاذيب وحياة طبيعية

شريف عامر
شريف عامر

آخر تحديث: الإثنين 26 أكتوبر 2026 - 9:20 م بتوقيت القاهرة

«أنا مندهش من الذين يندهشون حتى الآن»
قالها لى يومًا الطبيب النفسى الخبير عندما سألته عن جريمة جنائية اجتماعية صدمت الرأى العام فى حينه، وكان يرى أن الضغط اليومى فى حياة المصريين لا يمكن إلا أن ينتج بعض هذه النوعية من الجرائم.
كان ذلك عام 2009، والمناخ العام يصرخ بأن استمرار الحال على ما هو عليه أصبح مستحيلًا، وأن شيئًا ما سيحدث فى قادم الأيام على المدى المنظور. امتلأت الصفحة وثقلت، بل إن عمرها الكبير جعلها تضعف وتتحلل وباتت احتمالات تمزقها أسرع من احتمالات طيها بهدوء.
لا أعرف إن كانت العبارة قد أعجبتنى ظاهريًا أم أنها لمست وترًا فى نفسى، حولها إلى شعار يزداد رسوخًا وعمقًا فى كل مرة يسألنى صديق عن رأى أو رد فعل فيما تلا من أيام وحتى كتابة هذه السطور.
أتممت فى عام 2012 عشرين عامًا من العمل الصحفى، لكن ما سبق ذلك، بادئًا فى 2011، كان جامعًا لفصول وصفحات تكتب لأول مرة، لم أقرأها من قبل، ولم أعاصر أنا أو من سبقنى مثلها.
عبر الأعوام الخمسة عشر الأخيرة، فقدت الاندهاش بشكل كامل. لم يعد يصدمنى شىء. ما زلت أتفاعل فرحًا أو حزنًا، لكنى أبدًا لا أندهش أو أُصدم. مارست عملى على الهواء مباشرة فى تغطيات خاصة تحدث لأول مرة، وتزيد فى عددها وأثرها عن أى فترة مماثلة سبقتها فى تاريخ الصحافة المصرية والعربية وربما الدولية.
أرجوك، لا تتسرع بإلقاء الأحكام على وعلى صحة العبارة السابقة. تأمل فقط حجم الأحداث، وحتى لا نغرق فى جدل لا نهائى، دعنا نستبعد كل الأسماء، والتفسيرات، سواء كانت حقائق أو عواطف أو أهواء:
• الناس فى ميدان التحرير، وميادين أخرى فى أنحاء البلاد.

• تنحى رئيس، ثم محاكمته.

• انتخابات متعددة، ورئيس قادم من جماعة عاشت وتكاثرت كجبل جليد، ثلثه ظاهر، وثلثاه تحت السطح.

• الناس فى ميدان التحرير، وميادين أخرى فى أنحاء البلاد.

• عزل رئيس، ثم محاكمته.

• انتخابات جديدة، ورئيس جديد.

• موجة إرهاب هى الأعلى والأكثر حدة فى أنحاء البلاد.

• وباء يجتاح العالم، ويفرض واقعًا وتغييرًا سلوكيًا عميقًا على مليارات من البشر.

• إبادة متكاملة الأركان فى قطاع غزة، بكل ما يرافق ذلك من أخطار واحتمالات.

• اندلاع حرب أمريكية إسرائيلية إيرانية بعد تأجيل تجاوز 45 عامًا.

• تفكك شبه كامل لحدود استقرت منذ جلوس الفرنسى فرانسوا بيكو مع البريطانى مارك سايكس لترتيب عالمنا منذ 101 عام.

• القوة العظمى الوحيدة فى العالم تتدهور، وطبقتها السياسية الحاكمة تتحلل، بكل ما يترتب على ذلك دوليًا.

• رئيس مصرى يؤكد انصرافه وفق تاريخ نهاية فترة حكمه.

يمكن لكل قارئ لهذه السطور طبعًا أن يفتقد أمرًا ما يراه مزلزلًا لم أذكره، لكن تقديرى أن القائمة أعلاه تجمع أحداثًا جرت للمرة الأولى بلا سابقة مشابهة فى ذاكرة معاصريها من أجيال متعددة، وهى أحداث مُنشِئة لما جاء بعدها.
• • •

وسط مجموعة أصدقاء الطفولة والدراسة، أتخذ مقعدى الثابت فى لقائنا المعتاد. يحكى هذا عن عنوان جذبه على الفيسبوك، وأراجعها أنا فيما يقول لأنه غير معقول ولا منطقى. يحكى آخر عن المؤامرة التى تنفذها إسرائيل فى شوارع باريس انتقامًا من اعتراف فرنسا بفلسطين! أندفع معوضًا هدوء الأداء المهنى على الشاشة:
• «يا ابنى غلط... يا عم مش مظبوط.. والله كلام فارغ»! يعرفون كراهيتى للفيسبوك ويتململون من معارضتى الدائمة لهذه المنصة ومحتواها. دخل علينا هذا الأسبوع زميلنا الدبلوماسى الذى اقترب من محطته الأخيرة بعنوان التقاعد والاستقرار، فمارست دورًا لئيمًا بنقل كل الحوارات والهواجس إليه، وجلست أراقب مستمتعًا بصديقنا يتحول إلى وظيفة النافى الرسمى لأكثر من 95% مما نقله له الرفاق عن الفيسبوك.

تابعته وتابعتهم، وتألمت لما وصلنا إليه. إذا كان هؤلاء بكل ما تعلموا وما راكموا من خبرات وتجارب يتداولون كل هذه الهستيريا دون سبب واحد دقيق، فما حال الآخرين الأقل حظًا أو خبرة أو معرفة؟؟
أصبحت مشاعر الفزع والارتياب أشبه بالإدمان. هى الأكثر انتشارًا وتداولًا. نتناقل المخاوف عبر الإنترنت، فى لقاءاتنا الشخصية والعامة. يرتفع منسوب التوتر إلى أقصى حدوده، لأبسط الأمور كما لأكبرها!
هل هذا نتاج ما مر بنا من أحداث جسام؟ هل هى العناوين الكبرى التى زادت جرعتها عن أى زمن سابق فضغطت العقول والأرواح؟ حكيت لصديقى الدبلوماسى العتيد وأنا أناقش معه أحوال منطقتنا التى تزداد تعقيدًا وكيف أصابنا الإنهاك الجماعى، فرد قائلًا: «هناك حكمة صينية تقول: أتمنى أن تعيش حياة عامرة بالأحداث المثيرة». رددت أنا بمقولة أخرى سمعتها من صديق لم يكن حاضرًا: «شفت الناس بقيت عاملة ازاى! أنا تعبت يا عم ومش عاوز أعيش أى لحظات مثيرة أو تاريخية أكثر من كده. عاوز أعيش حياة طبيعية عادية بلا أكاذيب أو عناوين كبيرة، والتاريخ اتعلمناه فى فصل التاريخ وخلصنا».

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2026 ShoroukNews. All rights reserved