السويس فى الوجدان
طلعت إسماعيل
آخر تحديث:
الإثنين 26 أكتوبر 2026 - 9:20 م
بتوقيت القاهرة
لكل مدينة ريحها، وللسويس بين المدن المصرية عبق لا يشبه عبق غيرها من المدن، فهى مزيج من الكرامة والكبرياء، وهما ما ساعدا أبناءها على مجابهة المحن والخروج منها بكل إباء، لهذا تظل السويس مدينة الأبطال، التى اجتاز أهلها أصعب امتحان فى 24 أكتوبر عام 1973، وحصلوا خلاله على العلامة الكاملة فى الإسهام فى صنع نصر جعل من هذا اليوم عيدًا قوميًا لمحافظتهم.
فى 24 أكتوبر، صنع أبناء السويس ملحمتهم الوطنية التى تستدعى تذكرها ونقل تفاصيلها من جيل إلى جيل، فى مثل هذا الوقت من كل عام، لتصبح جزءًا من هوية ووجدان أبناء السويس، بل الشعب المصرى كله، الذى واجه أكبر تحدٍ فى تاريخه الحديث بالعبور إلى النصر من قلب أقسى هزيمة، كدنا معها أن نفقد بوصلتنا نحو المستقبل.
فى فجر 24 أكتوبر، حاولت قوات الاحتلال الإسرائيلى اجتياح السويس برًا، لفرض واقع يحسن شروط التفاوض مع مصر، فخرقت قرار مجلس الأمن بوقف إطلاق النار، سعيًا إلى احتلال المدينة، لكنها واجهت مقاومة شعبية شرسة وقتالاً عنيفًا من أبطال الفرقة 19 مشاة التابعة للجيش الثالث، قبل أن تضطر فى النهاية إلى الانسحاب، بعدما تحولت السويس إلى مقبرة لدباباتها.
ربما يكون الجيل الذى أنتمى إليه، وعاصر حرب أكتوبر المجيدة ولو فى مرحلة الطفولة، قد تابع يوميات الحرب ووقائع ما جرى خلالها وفى السنوات التالية، عبر وسائل الإعلام والدراما التليفزيونية والإذاعية والأعمال السينمائية، إلى جانب الدراسات والأبحاث الجادة التى قدمها عدد من المؤرخين العسكريين، وقد أسهم ذلك فى تشكيل وعينا بصفحة مهمة من تاريخنا الوطنى، لكن هل نالت الأجيال الجديدة، خاصة من أبناء السويس، نصيبًا من هذا الوعى؟
يجيب الأستاذ أنور فتح الباب، الباحث فى التاريخ والثقافة المصرية وأحد أبناء السويس البارزين، عن هذا السؤال، قائلًا إن حرب أكتوبر لا تزال حاضرة فى الوجدان، ربما لخصوصية السويس باعتبارها مدينة مقاومة، ذات تاريخ ضارب بجذوره فى عمق التاريخ المصرى، بدءًا من التصدى لغزوات القرامطة فى برزخ السويس خلال العصر الفاطمى، وصولاً إلى معارك الكفاح المسلح فى منطقة قناة السويس خلال عامى 1951 و1952، ثم معركة 24 أكتوبر 1973.
وبصفته معلمًا يتعامل باستمرار مع شرائح عمرية مختلفة، من المرحلة الابتدائية إلى المرحلة الجامعية، يشير فتح الباب، خلال حوار دار بيننا قبل أيام، إلى أن حرب أكتوبر لا تزال حاضرة فى أذهان الأجيال الجديدة.. صحيح أن هناك تفاوتًا، كما يقول، فى درجة الاهتمام أو استيعاب ما جرى قبل 53 عامًا، لكن ثمة رؤية متكاملة تستحضرها هذه الأجيال عند وقوع اعتداءات على غزة أو لبنان.
لكن كيف تشكل هذا الوعى لدى هذه الأجيال؟ يقول فتح الباب: «كنا فى ذكرى ملحمة السويس، فى 24 أكتوبر، نجوب المدارس للحديث عما جرى من معارك، بحضور أبطالها، أمثال أحمد العطيفى ومحمود عواد وعبد المنعم قناوى، رحمهم الله جميعًا، فالتاريخ هنا ليس ذكرى عابرة، بل حضور حى وممتد فى حياة أهل السويس، وفى اهتماماتهم، وفى حبهم لهذه المدينة، وإدراكهم لعمق الانتماء الوطنى».
هذا الوعى بتاريخ المدينة جعل من ذكرى النصر فى أكتوبر مناسبة يحتفل بها أبناء السويس على طريقتهم الخاصة، وتبلغ الاحتفالات ذروتها يوم 24 أكتوبر، حين يتجمع آلاف السوايسة فى الساحات العامة والحدائق وعلى كورنيش السويس، انتظارًا لإطلاق الألعاب النارية والاستمتاع بعروض فرق السمسمية، فيما يزور بعضهم متحف الدبابات الإسرائيلية المدمرة فى حديقة الخالدين، أو النقطة الحصينة فى عيون موسى، أو يتوجهون إلى منطقة بورتوفيق.
ويقول فتح الباب، أيضًا: «أزعم أن احتفال السوايسة بذكرى السادس من أكتوبر وملحمة الرابع والعشرين منه يوازى احتفالهم بعيدى الفطر والأضحى، فهما مناسبتان تستحضران ذاكرة حية لا تغيب، يسترجعون من خلالها تجاربهم، خاصة أبناء الأجيال القديمة، التى عانت العدوان الإسرائيلى عام 1967، ثم عاشت تجربة الهجرة والرحيل، وما رافقها من حياة شاقة وصعبة فى مناطق التهجير».
انتهى كلام المؤرخ السويسى، صاحب العديد من الكتب والدراسات عن المدينة، لكن الحديث عن السويس لا ينتهى.. ستدور الأيام وتتعاقب السنون، وتبقى المدينة تستحضر بطولات أبنائها وتحتفل بما قدموه من تضحيات، دفاعًا عن التراب الوطنى وتمسكًا بالأرض، تلك الأرض التى أنجبت الكابتن غزالى، والشيخ حافظ سلامة، وقناوى، وعواد، والعطيفى، وفتح الباب، الذى يوثق لملحمة وطنية شارك فيها هؤلاء وغيرهم من أبناء المدينة، فصنعوا صفحة مضيئة فى تاريخ مصر.
وفى الختام، تحية للسويس فى عيدها القومى، وتحية لأبنائها الذين أثبتوا أن المدن لا تصنعها حجارتها وشوارعها وحدها، بل تصنعها أيضًا ذاكرة أهلها، وما يختزنونه من كرامة وشجاعة وانتماء.