الحكم الرشيد الصالح والمسألة الديمقراطية

علي محمد فخرو
علي محمد فخرو

آخر تحديث: الخميس 26 ديسمبر 2013 - 7:30 ص بتوقيت القاهرة

لا تشبع مجتمعات أرض العرب من إدخال الإنسان العربى فى متاهات التردد والخوف من خلال مناورات تشويه المفاهيم والواقع. آخر المناورات هى المحاولة الحالية المستميتة، القائمة على استغلال انتهازى خبيث للعثرات التى تواجهها ثورات وحراكات الربيع العربى، لإقناع الإنسان العربى بأن الحكم الرشيد الصالح يمكن أن يوجد دون أوجاع دماغ الديمقراطية ومشاكلها.

ويجرى الحديث ليل نهار على منابر شاشات التليفزيونات العربية، وتدبج المقالات المدفوعة الأجر فى كثير من الصحف العربية، لإرجاع عقارب الساعة وإدخال الإنسان العربى فى غيبوبة الاعتقاد والرضا السابقين من أن قدره هو أن يكون واحدا من رعية تابعة محكومة بدلا من أن يكون حاكما لمسيرة حياته وقائدا فاعلا فى واقع مجتمعاته.

فجأة تذرف دموع التماسيح على انفلات الأمن هنا أو تراجع السياحة هناك من أجل أن ينسى الناس ما بينته سابقا تقارير التنمية الإنسانية العربية والبنك الدولى من أن إدارة الحكم فى أرض العرب كانت من أضعف وأفسد أنواع الحكم مقارنة بكل مناطق العالم الأخرى، بل من أجل أن ينسى الناس تاريخ القرون من حكم الغلبة المستبد المستبيح للأرض والثروات والسلطة. وهكذا يتراجع الملايين من العرب عن حلمهم الكبير المبهر فى الحرية والكرامة الإنسانية والعدالة.

•••

لكن هل حقا يمكن أن يوجد حكم رشيد صالح دون ديمقراطية عادلة؟ والجواب القطعى هو «كلا»، إذا اعتمدنا تعريف الحكم الذى تنادى به مختلف مؤسسات هيئة الأمم المتحدة منذ أكثر من عقدين من الزمن. إنه يعنى إدارة شئون المجتمع السياسية والاقتصاد والاجتماعية والثقافية وغيرها من قبل جهات ثلاث هى سلطات الدولة الثلاث، التشريعية والتنفيذية والقضائية وأجهزتها الإدارية العامة من جهة، ومؤسسات المجتمع المدنى، وعلى الأخص الأحزاب والنقابات، وكذلك فاعليات القطاع الخاص الاقتصادية والخدمية من جهة أخرى.

إن هذا الحكم، الذى يعنى حكم المجتمع لنفسه وبنفسه، لا يمكن أن يدعى صفات الرشد والصلاح إذا لم يقم على معايير وشروط وقيم لا يمكن أن تتوافر إلا من خلال نظام ديمقراطى عادل فى مبادئه وممارساته. إن برنامج الأمم المتحدة الإنمائى وضع تسعة شروط لكى يعتبر الحكم رشيدا وصالحا. الشرط الأول هو المشاركة فى الحكم التى تكون مشاركة مزيفة إن لم توجد الحريات العامة والأحزاب السياسية والانتخابات الحرة النزيهة والسلطات التشريعية المستقلة. والعديد من الشروط الأخرى المتمثلة فى تواجد حكم القانون والمساواة فى تكافؤ الفرص والشفافية فى المعلومات وقرارات الحكم والقدرة على المحاسبة هى أيضا فى صلب أى نظام ديمقراطى. وإذن فالغالبية من معايير الحكم الرشيد الصالح هى من مبادئ وممارسات النظام الديمقراطى الشامل العادل.

•••

وهكذا، فعندما يتحدث أو يكتب أبواق الردة، الراغبون فى وأد أحلام الأمة، عن أنه من الأفضل، خوفا من دخول الربيع العربى فى الفوضى، تسليم الأمور فى الفترة الانتقالية إلى ذلك الشخص المدنى والعسكرى الفذ، أو إلى ذلك الحزب أو ذلك الجيش المحنك المجرب ليقود، أو إلى تلك الجهة الأجنبية لتساعد وتمهد الطريق.. عندما يفعلون ذلك فإنهم يمهدون الطريق لأن يكون الحكم فى الفترة الانتقالية غير رشيد وغير صالح وغير مأمون العواقب وقابلا لأن تسرقه فلول الثورات المضادة. إنهم يكررون ما فعله من سبقهم من اعتبار البشر العرب ناقصى الفهم والإرادة والخلق، أى ناقصى الاستعداد، لحمل مسئوليات وواجبات حكم أنفسهم بأنفسهم من أجل مجموعهم. هؤلاء ينسون أن الأحداث الكبرى التى شهدها الوطن العربى إبان السنوات الماضية قد كشفت للغالبية العربية الصامتة الجوانب المظلمة فى كل حكم غير ديمقراطى سواء أكان حكم العساكر أم الطوائف أم الأحزاب الشمولية أم القبائل أم العشائر.

الديمقراطية السياسية والاقتصادية والاجتماعية الشاملة العادلة يجب أن تصبح مكونا مقدسا لا مساومة عليه من مكونات أى حكم سيقوم فى أرض العرب بعد اليوم. عقارب ساعة الأمة الثائرة الناهضة لا تعود إلى الوراء قط.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2021 ShoroukNews. All rights reserved