هبوط حر

من الصحافة الإسرائيلية
من الصحافة الإسرائيلية

آخر تحديث: الجمعة 27 ديسمبر 2019 - 12:24 م بتوقيت القاهرة

اليسار فى معظم العالم الغربى الديمقراطى ــ فى بريطانيا وفى فرنسا حيث سارت اشتراكية جان جوريس وليئون بلوم فى طريق متعرج، وألمانيا التى اختار فيها الحزب الاشتراكى الديمقراطى المنطفئ أخيرا ثنائى قيادة من الجناح الأكثر يسارية، وإيطاليا مثلما هى الهند وأمريكا اللاتينية أيضا ــ يوجد فى هبوط حر. وفى إسبانيا والبرتغال فقط نجده يصمد كيفما اتفق، ربما بسبب الذاكرة الجماعية التى تعود إلى الديكتاتوريات اليمينية التى سيطرت فيها فى الماضى.
فى بريطانيا: حزب العمال برئاسة جيرمى كوربين تلقى الضربة الأشد منذ 1935، وبالنسبة للمحافظين بقيادة بوريس جونسون كان هذا هو الانتصار الأكثر إقناعا منذ عهد السيدة تاتشر فى الثمانينيات من القرن الماضى، صحيح أن الموضوع الرسمى فى حملة الانتخابات كان البريكزيت، ولكن يتبين أن حتى الكثيرين من معارضى الانفصال عن أوروبا صوتوا هذه المرة إلى جانب المحافظين ــ ليس فقط لأنه مثله مثل الاستقرار، بل وأيضا لأنهم نفروا من الطابع شبه الشيوعى لحزب العمال وبرامجه الاقتصادية ــ الاجتماعية التى تضمنت ضمن أمور أخرى مصادرة جزئية للشركات الخاصة، تقصير أسبوع العمل إلى أربعة أيام دون تعويض العمال، فرض ضرائب على الابتكارات الطبية ورفع ساحق للضرائب بشكل عام وضرائب الشركات بشكل خاص. يتبين أن معظم سكان بريطانيا لم يكونوا مستعدين لشراء هذا، بمن فيهم مصوتو حزب العمال فى مناطق «حمراء» تقليدية لم يتذكروا فقط إخفاقات حكومات اليسار فى الماضى بل ورأوا أمام عيونهم أيضا النماذج السيئة للكتلة الشيوعية فى القرن العشرين وفنزويلا اليوم. لقد انكشف الوجه غير الديمقراطى الأساس لليسار فى الاضطرابات العنيفة فى شوارع لندن مع صدور نتائج الانتخابات.
فى عصر العولمة اليوم يوجد قدر معين من التأثير المتبادل بين الساحات السياسية فى الدول المختلفة، ولا سيما عندما يدور الحديث عن الدولتين الإنجلوسكسونيتين الكبريين، الولايات المتحدة وبريطانيا ــ وبالفعل، خلفت هزيمة اليسار فى بريطانيا علائمها على معركة الانتخابات للرئاسة فى أمريكا، ولا سيما فى الصراع الداخلى للحزب الديمقراطى بين مرشحى الوسط، مثل جو بايدن وبيت بوتيجيج ــ وبين حملة علم اليسار، بارلى ساندرز واليزابيت وورن، اللذين شعاراتهما فى مواضيع الاقتصاد والمجتمع تشبه تلك التى رفعها حزب العمال فى بريطانيا. والعنوان الصحفى «الفروقات التى تكبدتها وورن وساندرز من الانتخابات فى بريطانيا» يقول كل شىء. ولكن ليس فقط فى المجال الاقتصادى يوجد وجه شبه بين اليسار الأمريكى المتطرف وحزب العمال البريطانى، بل وأيضا النهج المعادى لإسرائيل، التماثل مع الـ بى دى إس واللاسامية، التى هى من النصيب المشترك للنازيين الجدد فى أرجاء المعمورة، يشكل قاسما مشتركا (ومع اليسار المتطرف فى فرنسا أيضا). أما فى إسرائيل فالوضع مختلف بعض الشىء: فى الأحزاب التى تسمى نفسها «يسارا»، العمل ــ جيشر والمعسكر الديمقراطى (ميرتس سابقا)، يتقاتلون على المكان فى قوائم تنازع الحياة من شأنها أن تشطب فى الانتخابات القريبة القادمة ومن الصعب أن نقرر إذا كنا سنسمى هذا مهزلة أم مأساة. صحيح أنه يوجد الحزب الشيوعى (الجبهة الديمقراطية فى لباسها الحالى) ولكنه جزء من القائمة المشتركة (شريك محتمل لـ أزرق أبيض؟) والذى علمه الأساس ليس الاشتراكية بل الحرب ضد المشروع الصهيونى والدفع إلى الأمام بالأجندة الفلسطينية. يبقى، إذن، أزرق أبيض، التجمع الغريب لثلاثة أحزاب، أو ما تدعى أنها أحزاب، عديمة أى بوصلة أيديولوجية، سياسية أو اقتصادية، كل برنامجه هو الطمع فى السلطة والرغبة المهووسة للإطاحة ببنيامين نتنياهو.
لمفاهيم اليسار واليمين، بالتالى، ليس فى إسرائيل اليوم سياق فكرى اقتصادى أو اجتماعى حقيقى ــ وربما لم يكن فى الماضى أيضا، إذ إن «مباى» التاريخى ليس فقط فى مواضيع الخارجية والأمن، على الأقل حتى أوسلو، كان وطنيا وأمنيا بقدر لا يقل عن خصمه فى اليمين بل إنه فى المواضيع الداخلية، وإن كان تحدث عن «الاشتراكية فى عصرنا» أدار عمليا سياسة رأسمالية الدولة. وفى السنوات الأخيرة تتناول تعريفات «اليسار» و«اليمين» فى إسرائيل أساسا مواضيع الفلسطينيين، الاستيطان فى يهودا والسامرة، فكرة الدولتين وما شابه، وليس فى الغالب المواضيع التى يتميز بها الخطاب السياسى فى الدول الأخرى. ولكن طالما كان الإصرار من جانب الإعلام وبعض السياسيين على تسمية كل من يوجد قليلا على يمين الوسط «يمين متطرف»، فإن الجمهور سيتعاطى مع أزرق أبيض كيسار. السؤال هو إذا كان مصيره فى إسرائيل أيضا سيكون الهبوط الحر؟
معاريف

زلمان شوفال "مركز الناطور للدراسات والأبحاث"

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2024 ShoroukNews. All rights reserved