الصيغة اللبنانية فى حساب المستقبل السورى

سمير العيطة
سمير العيطة

آخر تحديث: الأحد 27 يناير 2019 - 11:20 م بتوقيت القاهرة

فى ندوة أُقيمت فى يناير 2018 طرح «بيت المستقبل» اللبنانى تساؤلا حول إذا ما كانت صيغة الحكم فى لبنان، والتى وصفها بـ«الديمقراطية التوافقية» قابلة كى يكون لها حساب فى مستقبل سوريا. لكن ما المقصود بهذه «الصيغة» ــ حسب منطلق أسس الدولة ونظام الحكم كعقدٍ اجتماعي؟ وكيف تأسست هذه «الصيغة» فى سياق تاريخ التركيبة الاجتماعية للبلد وتفاعله مع محيطه مقارنة مع سوريا أو العراق؟
***
نشأ لبنان الدولة فى الأساس على توافقٍ بين نخب اجتماعية تمثلت من ناحية بنخب مدينة بيروت التجارية وزعماء مناطق المتصرفية السابقة مع دور رئيس للطوائف الدينية كجهاز تأطير اجتماعى، وخاصة البطريركية المارونية. من هذا المنطلق منح الدستور اللبنانى الطوائف صفة شخصية معنوية. وكان لهذه النخب مصالحها الخاصة سواء فى دور بيروت التجارى والمالى تجاه بلدان الجوار أو فى أملاك النخب الطائفية العقارية الواسعة. وفى الحقيقة، لم تحدث تغييرات جوهرية فى تركيبة هذه النخب وفى تمركز الثروة لديها عبر تاريخ الدولة اللبنانية إلا بشكلٍ ثانوى خلال فترة الحرب وعبر نمو النخب المالية والمصرفية. أضف أن تطور لبنان قد بنى متمركزا حول بيروت لتتماهى البلد مع المدينة وضواحيها، فى حين بقيت المناطق الأخرى خاصة فى الشمال والجنوب والبقاع بطيئة التنمية مقارنة مع العاصمة. هذه المناطق المحيطية هى بالضبط تلك التى شهدت اضطرابات اجتماعية وسياسية مع نمو المقاومة فى الجنوب ضد الاحتلال الإسرائيلى بفترتى التواجد الفلسطينى وتعاظم قوة «حزب الله»، وفى المقابل صعود تيارات الإسلام السياسى «السنى». اضطرابات هددت وما زالت تهدد الصيغة التوافقية العتيدة.
أهم مكتسبات هذه الصيغة هى الحريات الفردية التى يتمتع بها المواطنون اللبنانيون واللاجئون إلى لبنان، ما جعل البلد خلال فترات طويلة بوتقة للإنتاج الأدبى والمعرفى العربى. وأهم نواقصها هو ارتهان نظامها البرلمانى للحشد الطائفى ومن خلفه للتأثيرات الخارجية التى تتلاعب بها، وبالتالى ضعف الحقوق الاقتصادية وضعف الدولة فى دورها السيادى والتنموى. وهذا ما أخذ البلد إلى حربٍ أهلية خلال خمسة عشر عاما، ما زالت آثارها تتفاعل. وما يجعل التساؤل مشروعا الآن حول نجاعة هذه «الصيغة» للبنان قبل سوريا مع تفاقم أزمات الدين العام والقمامة والخدمات الاجتماعية وتشكيل الحكومة.
***
من جهتها نشأت سوريا على توافقٍ مختلف عن التوافق اللبنانى. فالبلد أوسع مساحة وتتميز النخب فيه بعصبيات مدينية (خاصة مثلا بين دمشق وحلب) ومناطقية قوية (حوران، جبل العرب، جبال العلويين، العشائر الكردية، العشائر العربية.. إلخ)، من دون دورٍ أساسى للأجهزة الدينية رغم تواجد طوائف ومذاهب ومشاعر قومية وطائفية. هكذا أخذ «التوافق الاجتماعى» الذى أسس الدولة فى مختلف مراحلها طابع التوافق بين المدن والمناطق المتباعدة نسبيا، مع حدوث تغييرات جوهرية فى طبيعة النخب التى رجحت كفتها فى كل مرحلة. فبعد أن شكلت النخب التجارية والإقطاعية المدينية القديمة عماد الدولة الأولى فى دستورى 1920 و1928 صعدت نخب جديدة من أصول ريفية أو نتيجة تسارع هجرة الريف إلى المدينة، تبِعَها تحولات عميقة فى صيغة الحكم شهدت انقلابات عسكرية وفترات برلمانية ووحدة مع مصر وأنظمة تسلطية وانتفاضات شعبية لتنتهى بالصراع الدموى المدمر القائم. وقد رافقت هذه الاضطرابات تغيرات كبيرة فى تمركز الثروة بدءا من الإصلاح الزراعى والتأميمات مرورا برأسمالية الدولة ومراكمة السلطة للريوع عبر الهيمنة على القطاع العام انتهاء برأسمالية «الأقرباء والأصدقاء والزبائن» التى أدت احتكاراتها وإهمالها لمناطق وفئات اجتماعية إلى خلق أسس الانتفاضة التى انطلقت فى 2011. فى حين فشلت السلطة السورية فى استباق أو معالجة أزمة «الصيغة» القائمة، ما فتح الباب للتدخلات الأجنبية وأخذ البلاد إلى حربٍ أهلية وصراعٍ على أرضها بين الدول. وبدورها أدت هذه الحرب إلى صعود أمراء حرب وتجاراتهم.
هكذا يبرز السؤال قويا عن إمكانية العودة فى سوريا إلى الصيغة المتأزمة التى سبقت الصراع؟ علما أن «النخب» ووسائل هيمنتها وتبعياتها الخارجية قد تغيرت بشكلٍ كبير. وما المفاوضات الجارية بين الأطراف السورية وبين الدول، وضمنها ما جرى فى جنيف وغيرها حول مشاريع دستور جديد، سوى بحث عن «صيغة» جديدة لأسس الدولة ونظام الحكم كعقدٍ اجتماعى فى سوريا المستقبل.
لا يُمكن حقيقة إسقاط «صيغة» لبنان كـ«صيغة» لسوريا ما بعد الحرب. ليس فقط أن الأسس الاجتماعية مختلفة، بل أيضا لأن الصيغة اللبنانية مأزومة أصلا وبرزت فى إطار إقليمى كان لسوريا ومصر والعراق فيه دور محورى يحتاج لبنان، لكن هذا الإطار لم يعد موجودا اليوم مع صعود دول الخليج النفطية كثقلٍ جديدٍ باحثٍ عن هيمنة على «العالم العربى».
ويُمكن أن يخوض السوريون نقاشا طويلا عما إذا كان مجديا اعتماد نظام برلمانى صرف «طائفى مناطقى»، كالذى فى لبنان، أم نظام نصف رئاسى، وعن سبل الانتخاب وتواجد مجلس أم مجلسين، وعما إذا كان لنظامٍ رئاسى سلطوى قوامه تعريف الدولة باسم عائلة رئيسها قابلية للاستمرار. كما يُمكن للنقاش أن يكون أيضا طويلا حول ضرورة اللا مركزية وعن تحديد معناها السياسى والإدارى والمالى ونجاعتها فى تسريع تنمية متوازنة بين المناطق مع الحفاظ على تماسك البلد ووحدته. ويمكن أيضا النقاش طويلا عن علاقة الدولة مع الدين والأحوال الشخصية وعن المساواة بين المرأة والرجل وعن المواطنة وغير ذلك.
إلا أن أمرا أساسيا لا معنى للمساومة عليه، ألا وهو الحرية وسبل ترسيخها. حرية الفكر كما حرية الضمير. حرية الكتابة والنشر والصحافة والإعلام كما الحرية فى الدين والمذهب والشعائر. حرية انتقاد السلطة أيا كانت وممارساتها واختراقها للدساتير كما التطرف والفساد والهيمنة «والمؤامرات» الخارجية.
ليس فقط أنه لا معنى لقمع الحريات فى زمن انتشار وسائل التواصل الاجتماعى ومحطات الأقمار الصناعية. بل لا معنى للمواطنة وللديمقراطية بدون حريات. لا معنى لـ«مقاومة المؤامرات» ولا لتحقيق مبادئ «ثورة» ولا لمناهضة التطرف ولا «للمصالحة الوطنية» دون حريات. والتحدى الأصعب أمام سوريا المستقبل هو فى وضع المؤسسات التى تكفل الحريات العامة وتضمن استقلال وسائل هذه الحرية عن هيمنة السلطة والمال وأمراء الحرب. يبقى التحدى الأهم هو تقبل كل الأذهان الرأى والرأى الآخر رغم الآلام.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2024 ShoroukNews. All rights reserved