أناشيد الإصرار ضد بكائيات اليأس

علي محمد فخرو
علي محمد فخرو

آخر تحديث: الخميس 27 مارس 2014 - 8:15 ص بتوقيت القاهرة

على شبكات التواصل العنكبوتية العربية تنتشر كتابات النّادمين واليائسين ومثبطى العزائم. منهم من يبكى تحطّم أحلام جيله القومية فى قيام الوحدة العربية وفى تطبيق مبادئ الاشتراكية وفى حريّة الأوطان وفى النضال الشعبى العربى الواحد.

ومنهم من وصل إلى حافة اليأس من إمكانية تحقيق أىّ إصلاح فى مجتمعات العرب المتخلّفة الموبوءة بأمراض الطائفية والقبلية والتزمُّت الدينى.

ومنهم من يريد أن ينقل قنوطه وتعب ذاته وضياعه إلى أجيال المستقبل، وبالذات شباب ثورات وحراكات الربيع العربى.

والمحصّلة أن جميع هؤلاء يريدون إدخال الأمة فى دوّامة النّقد العاطفى السّلبى العبثى للماضى والحاضر، بدلا من ممارسة النّقد الإبداعى الموضوعى المحفّز والمجيّش لقوى الأمة والمشجّع على السّير فى الدّرب النضالى الطويل، دون إضاعة للوقت بلطم الخدود وذرف الدُّموع، والبكاء الطفولى المعيب على فرص مبشّرة كبرى ضاعت لأننا لم نحافظ عليها كالأناس الناضجين العاقلين.

•••

بصراحة تامة ليس الآن أوان مثل تلك الكتابات، وإذا كان اصحابها قد تعبوا من المشى فى دروب النضال الصعبة، وانطفأت فى داخلهم أنوار الإصرار على مقارعة مظالم الحياة العربية فليخرجوا من تلك الدروب، وليجلسوا تحت ظلال شجر القنوط والاستكانة بانتظار تعفّن أرواحهم البطىء.

ذلك أن الأمة لا تحتاج فى ساحات معاركها الحالية للنائحين المولولين، وإنما هى بأشد الحاجة لمنشدى أناشيد النصّر الآتى، طال الزمن أو قصر، ولعازفى سمفونيات القدر المجلجل الذى يدقُّ على الأبواب بيد شباب القوة والشجاعة والاستهانة بالسجون والتعذيب والموت على يد الطغّاة الظالمين.

•••

بعد هذه المقدّمة، وهى نقد وإشفاق ورجاء، دعنا نطرح الأسئلة التالية:

ما الذى يجعل من هؤلاء نائحين يائسين ومتعبين؟ أهى العثرات والانتكاسات، بل وحتى الهزائم، التى حلُت فى هذه الساحة أو تلك من ساحات ثورات وحراكات الربيع العربى؟ فماذا كانوا ينتظرون؟ أن تكون مسيرة الثورات وحراكات التغييرات الكبرى نزهة ولبنا وعسلا، لذة لغير المضحّين الفاعلين؟

الجواب عن تلك الأسئلة واضح مدوىّ فى تاريخ انتفاضات البشرية الكبرى عبر القرون. لم توجد قط ثورة أو حركة تغيير كبرى دون آلام وأثمان مدفوعة وصعود وهبوط وانتصارات وهزائم وفترات قنوط وساعات أمل. وإذن فلماذا الخاصيّة المحبطة المضعفة التى يراد إلصاقها بالعرب دون سائر البشر؟

ثم، هل الربيع العربى شجرة لا جذور لها ولا تربة؟ أليست ممتدة فى نضالات التاريخ البعيد ضد مظالم الملك العضوض وزبانيته ومرتزقته، ضد زحف المغول والتتار، ضد الاستعمار والصهيونية، ضد مؤسسات الحكم اللاديمقراطية، ضد استئثار الأقلية بخيرات الأوطان، ضد التخلف الحضارى وغياب التجديد والإبداع، ضد وضد إلى ما لا نهاية؟ فهل هذه شعوب تستأهل الذم والهجاء واليأس من مستقبلها ومن شبابها؟

وهل يراد للملايين العرب الشهداء الذين ضحّوا فى سبيل رسالات السماء ونداءات الأنبياء وألق الحرية وكرامة الإنسان وعدالة الحياة وأخوة البشر والمساواة فى الفرص، هل يراد لهم أن يبكوا فى وحشة وسكون قبورهم حسرة على ما بذلوا وما ضحُّوا؟

ثم، ألا تكفى أصوات الخزى والعار من خدم السلطان والمال والجاه الشّامتين الرَّاقصين على أوجاع ومآسى الآخرين حتى نضيف إليها أصوات اللُّطم واليأس والانسحاب الذليل؟

من هنا الأهمية القصوى ألا يقف المؤمنون بقدرات شباب العرب الهائلة، بسخائهم فى بذل التضحيات، بأحلامهم بأن يعيشوا فى عوالم الحرية والكرامة والعدالة والديمقراطية، بحقّهم فى تكافؤ فرصهم وتساوى مواطنيتهم، فى كل ذلك وأكثر، ألا يقفوا متفرّجين، وهم يرون جحافل الشّماتة واليأس ينعقون، سواء بقصد أو بغير قصد، وذلك بدلا من أن ينشد هؤلاء المؤمنون بشباب الأمة أناشيد الحياة والأمل والصُّعود والفرح والصّبر.

•••

ما يحتاج هؤلاء الشباب أن يسمعوه ليل نهار هو ما فجّروا به ثوراتهم وحراكاتهم: إذا الشعب يوما أراد الحياة فلابد أن يستجيب القدر. هم بحاجة، وهم يستعيدون أنفاسهم، أن يسمعوا ما قاله شاعر أيرلندا سيموس هينى: لكن مرة فى حياة الإنسان تصعد موجة العدالة التى كانت شوقا عند ذاك، يتناغم الأمل والتاريخ. نعم ويتحرك التاريخ إلى الأمام ويصعد إلى الأعالى.

منذ خمسين سنة وقف الزعيم العمالى البريطانى الشهير هيو جيسكل يخطب فى مؤتمر حزبه: هناك منَّا من سيحاربون، ويحاربون، ثم يحاربون مرة أخرى لإنقاذ الحزب الذى نحب. فى ساحات محن بلاد العرب الحالية لينشد شباب العرب بأنهم سيحاربون، ويحاربون، ثم سيحاربون مرة أخرى لإنقاذ انتفاضة أمتهم التاريخية عبر وطنها العربى الكبير، ورغم كل المعترضين المولولين اللاطمين.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2024 ShoroukNews. All rights reserved