جدل داخل إدارة أوباما حول «المساعدات العسكرية لمصر»

محمد المنشاوي
محمد المنشاوي

آخر تحديث: الجمعة 27 مارس 2015 - 9:10 ص بتوقيت القاهرة

تترقب الدوائر الأمريكية والمصرية المهتمة بالعلاقات بين الدولتين قرارا للبيت الأبيض يتعلق بمستقبل المساعدات العسكرية، والتى تبلغ قيمتها 1.3 مليار دولار سنويا. وعلى عكس مما يعتقده الكثيرون، فالقرار الحاسم ليس بيد الكونجرس ولا وزارة الخارجية، ولا حتى وزارة الدفاع، بل فى يد الرئيس الأمريكى، يساعده فى اتخاذ قراره كبار مساعديه فى مجلس الأمن القومى. قرار تجميد المساعدات العسكرية أتخذه أيضا الرئيس الأمريكى وإن أعلنت عنه فى حينها المتحدثة باسم وزارة الخارجية جين ساكى يوم التاسع من أكتوبر 2013، والذى جاء فيه تجميد توريد الأسلحة لمصر من طائرات وصواريخ ودبابات. ومنذ ذلك التاريخ لم تستلم مصر إلا عشر طائرات هيلوكوبتر من طراز آباتشى قبل نهاية العام الماضى، وهكذا تم تجميد شحن الكثير من الأسلحة وقطع الغيار ومعدات ومواد للصيانة، وهو ما سبب ويسبب الكثير من الغضب داخل الحكومة المصرية.

•••

تخرج إشارات مختلفة من الدوائر السياسية الأمريكية بخصوص المساعدات لمصر كان آخرها ما ذكره وزير الخارجية جون كيرى خلال زيارته لشرم الشيخ. توقع كيرى استئناف المساعدات العسكرية السنوية لمصر فى وقت قريب. وقبل ذلك دعت رئيسة اللجنة الفرعية لمخصصات وزارة الخارجية بمجلس النواب كاى جرانجر (جمهوريةــ تكساس) فى خطاب أرسلته للرئيس الأمريكى بالإفراج عن طائرات إف 16 ومروحيات آباتشى وقطع غيار دبابات إم1 إيه1 أبرامز. كما اتصل وزير الدفاع الجديد أشتون كارتر بنظيره المصرى ليعرب عن رغبته بالعمل مع مصر لمواجهة التحديات الأمنية التى تجابه بلادهما. وخلال جلسة استماع عقدت الأسبوع الماضى لمناقشة ميزانية المساعدات الخارجية للعام المالى 2016، أقرت مساعدة وزير الخارجية لشئون الشرق الأوسط، والسفيرة السابقة بالقاهرة، آن باترسون بوجود «أهداف متعارضة» لواشنطن فى مصر. هدف دعم العلاقات الاستراتيجية والأمنية مع نظام السيسى، وهدف دعم المجتمع المدنى وتحسين سجل حقوق الإنسان.
إلا أن أهم الإشارات الخارجة من واشنطن تتمثل فى توقف أركان الإدارة خلال الأشهر القليلة الماضية عن المطالبة بما كانت تطالب به منذ الثالث من يوليو والمتعلق بـ(ديمقراطية تشمل الجميع Inclusive Democracy ) فى إشارة لضرورة أن تشمل خريطة الطريق السياسية جماعة الإخوان المسلمين، وحلفاءها السياسيين.

•••

أما الكونجرس فبعض الأعضاء يركزون على استمرار الانتهاكات ضد حقوق الأنسان، وينتقدون قانون التظاهر وأحكام القضاء المصرى الغريبة، وممارسة التعذيب داخل مراكز الاحتجاز وقتل بعض النشطاء السياسيين مثل الشهيدة شيماء الصباغ. وبعض الأعضاء، مثل السيناتور الجمهورى من ولاية أريزونا جون ماكين، يختار التركيز على التضييق الأمنى والقانونى على منظمات المجتمع المدنى خاصة تلك التى تتلقى أموالاً أمريكية بسبب رئاسته للمعهد الجمهورى الممنوع من العمل داخل مصر. أما أغلبية الأعضاء فتركز على أهمية التعاون الأمنى والاستراتيجى، وعلى سجل القاهرة الممتاز فى التنسيق الأمنى مع إسرائيل، ومحاربة الإرهاب فى سيناء. من هنا مرر الكونجرس بندا فى مشروع ميزانية 2015 يتيح للإدارة الأمريكية من خلاله تجاهل اشتراطات سجل الديمقراطية وحقوق الإنسان كى تستأنف المساعدات العسكرية لمصر. فقد أتاح الكونجرس لوزير الخارجية استعمال ذريعة «مصالح الأمن القومى الأمريكى» بدون تحديدها، لاستئناف المساعدات.

•••

ويضغط لوبى كبير داخل واشنطن على إدارة أوباما لاستئناف المساعدات. فبالإضافة للسفارة المصرية وشركة اللوبى (مجموعة جلوفر بارك) التى تستعين بها، تقوم سفارات إسرائيل والأردن والمملكة السعودية والإمارات المتحدة بجهود لا تتوقف فى هذا الاتجاه. كذلك تقوم منظمة آيباك (أكبر منظمات اللوبى اليهودى الأمريكية) بجهود مستمرة للترويج لما تقوم به الحكومة المصرية فى مواجهة التطرف والإرهاب داخل سيناء قرب الحدود مع إسرائيل كمبرر لضرورة استئناف المساعدات. ونفس الموقف تتبناه العديد من مراكز الأبحاث الموالية لإسرائيل، أو تلك التى تتلقى ملايين الدولارات الخليجية من دول معادية للربيع العربى ومعادية لمبادئه النبيلة من حرية وديمقراطية وعدالة اجتماعية.

أما الإعلام الأمريكى فينقسم حول القضية. صحف مهمة، مثل واشنطن بوست ونيويورك تايمز تركز فى افتتاحياتها المتكررة على سوء أوضاع حقوق الإنسان فى مصر، وتحذر أن استئناف المساعدات يبعث برسالة دعم لنظام يرونه ديكتاتوريا. يقابلها إعلام يمينى بوصلته الأساسية مصالح إسرائيل، ويضغط باتجاه استئناف المساعدات يمثله شبكة فوكس وصحيفة واشنطن تايمز.

•••

موقف الرئيس باراك أوباما يتأرجح بين اتجاهات متعارضة داخل إدارته. فريق يريد استئناف المساعدات يمثله وزيرا الخارجية والدفاع، ومن ناحية أخرى فريق مجلس الأمن القومى، على رأسهم سوزان رايس، ممن يرون أن النظام المصرى لم يقم بالحد الأدنى المتوقع منه كى يتم استئناف المساعدات. ويدلل ما قاله أوباما خلال قمة مكافحة التطرف العنيف على وجود معضلة كبيرة لتوازن الأهداف المتعارضة للإدارة، ويمكن الاشارة إليه فيما يتعلق بقرار المساعدات لمصر. قال أوباما: «إن قمع وحرمان البشر من حقوق الإنسان، وإسكات المعارضة، واستحالة التغيير السلمى، تتسبب فى تغذية التطرف والإرهاب، وأنه يتعين علينا إدراك أن الاستقرار الدائم والأمن الحقيقى يتطلب الديمقراطية، ويعنى ذلك إجراء انتخابات حرة ووجود نظام قضائى يلتزم بحق القانون، وقوات أمن وشرطة تحترم حقوق الإنسان وحرية التعليم وحرية منظمات المجتمع المدنى».

•••

سيتوجه وزير الخارجية جون كيرى قريبا للكونجرس حاملاً شهادته بخصوص الشأن المصرى. ويبدو أن أوباما سيكلف وزيره بمسك العصا من المنتصف عن طريق استخدام ذريعة «الأمن القومى الأمريكى» دون الإقرار أن مصر تسير فى طريق الديمقراطية. ولن يمنح أوباما السيسى كل ما يطالب به. فقط بعض الأسلحة الضرورية لمكافحة الإرهاب فى سيناء مثل طائرات أباتشى، وأجهزة مساعدة وقتالية صغيرة. وفى الأغلب سيستمر تجميد شحن طائرات إف 16، التى لا ترى واشنطن أن لها دورا فى محاربة الإرهاب والتطرف داخل مصر.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2022 ShoroukNews. All rights reserved