بيْن التجارة والسياسة..!

محمد عبدالشفيع عيسى
محمد عبدالشفيع عيسى

آخر تحديث: الجمعة 27 مارس 2020 - 9:50 م بتوقيت القاهرة

التجارة والسياسة صنوان لا يفترقان.. وهكذا كان.. التجارة الدولية تتبع السياسة، وتحاول السياسة أن تقتفى أثر التجارة لتتبعها أو تصحّح مسارها أو تغيّر هذا المسار. هذا ديْدَن العلاقات الاقتصادية والسياسة الدولية على مرّ التاريخ، بما فيه ذلك الحديث والمعاصر، وحتى التاريخ القريب لمرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية، ثم التاريخ الراهن على مدى عقد أو عقديْن.
بعد الحرب العالمية الثانية انبثق نظام عالمى له شقان: نظام متمحور حول الغرب بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية، يتبنى «اقتصاديات السوق» دون مواربة، أو «الكتلة الغربية» «الرأسمالية»، ونظام آخر كان متمحورا حول الاتحاد السوفيتى (السابق) ومعه بلدان أوروبا الشرقية، ويجمعها كلها توجه اقتصادى ــ اجتماعى يتجه نحو «الاشتراكية»؛ وإن نازع النجم السوفيتى نجم من الصين بزغ ثم احتك احتكاكا خفيفا بالسوفيتى ثم خشنا، اعتبارا من 1957، لتكون هناك اشتراكيتان، إن صح التعبير: سوفيتية ــ روسية وأخرى صينية. وقد حاولت الصين جذب عدد من «الكواكب الصغيرة» فى أقصى الشرق الآسيوى (وخاصة فيتنام ولاوس وكمبوديا وكوريا الشمالية) إلى جانب أحزاب كثيرة فى العالم شيوعية ذات هوى صينى أكيد، بيْد أنها لم تستطع مدّ نفوذها الخارجى إلى الحيّز «متعدد الأقاليم» أو العالمى. وعلى العكس، أفلح السوفيت فى مدّ نفوذهم عبر العالم، ليتكون نظام دولى على مدى أربعين عاما أو يزيد (1945ــ1990) قائم على المنافسة بين الاتحاد السوفيتى والغرب بالقيادة الأمريكية، قيل له نظام «القطبية الثنائية»: غربي/شرقى أو اشتراكي/رأسمالى أو أمريكي/سوفيتى. ولكل منهما أحجار بناء مختلفة اقتصاديا وعسكريا بالذات. على المستوى الاقتصادى أقام السوفيت ما يشبه منظمة اقتصادية دولية إقليمية عبر أوراسيا، مكونة من الاتحاد السوفيتى وأوربا الشرقية، عُرِفت عالميا بعد الحرب العالمية الثانية بمسمّى «كوميكون»، ثم اسْتوتْ فى صورة أكمل بعد ذلك خلال الستينيات وأوائل السبعينيات تحت مسمى «مجلس المساعدة الاقتصادية المتبادلة» CMEA. وكانت تسعى إلى بناء نوع من تقسيم العمل الإنتاجى وفق صيغة للتخصص وتوزيع الأدوار بين البلدان الأعضاء، فى المجال الاقتصادى، والصناعى بالذات.
***
وكذلك أقام السوفيت تحالفا عسكريا سُمّى إعلاميا باسم العاصمة البولندية، ليكون «حلف وارسو». وعلى الجهة الأخرى، شجعت الولايات المتحدة على إقامة تحالف عسكرى غربى عبر المحيط الأطلسىّ يجمع الولايات المتحدة وشركاءها من أوروبا ــ غربيها وشماليها ــ هو ما يسمى إعلاميا «حلف الأطلنطى»، «ناتو»North Atlantic Treaty Organization.
كما شجعت الولايات المتحدة على إقامة تجمع اقتصادى أوروبى صرف وأخذ يتطور ويتغير عبر الزمن، ابتداء من «المجمّع الأوروبيّ للفحم والصلب»، فى أواسط الخمسينيات إلى «الجماعة الاقتصادية الأوروبية» منذ السبعينيات، حتى استقر أخيرا على «الاتحاد الأوروبى»؛ وفى داخله أقيم تجمع نقدى ومالى أكثر تكاملية، باسم «منطقة اليورو»، مع مطلع القرن الجديد.
وقد نسج «حلف الأطلنطى» من حوله شبكة للتحالفات العسكرية المرتبطة بالغرب والقيادة الأمريكية، ومعها شبكة من القواعد والنقاط العسكرية، فى كلّ من القارات الثلاثة: آسيا ــ خاصة آسيا ــ وأمريكا اللاتينية وإفريقيا.
***
وبالتوازى، أقام الغرب (والولايات المتحدة) نظاما اقتصاديا دوليا يوشك أن يكون عالميا، فى المجالين التجارى، والنقدى ــ المالى بالتحديد، فى عزل كامل للمجموعة السوفيتية والصين عبر كل منهما. ففى الدائرة التجارية تم عقد «الاتفاقية العامة للتعريفات والتجارة» ــ جات ــ عام 1947، وحدثت عليها سلسلة من الإضافات والتعديلات خلال عقديْ الستينيات والسبعينيات من القرن المنصرم، وخاصة من خلال «النظام المعمم للتفضيلات الصناعية» لمحاولة جذب البلاد النامية إلى دائرة النظام التجارى شبه العالمى.
وفى الدائرة النقدية والمالية، نجح الغرب فى عقد مؤتمر دولى فى مدينة «بريتون وودز» الأمريكية الصغيرة عام 1944 أسفر عن عقد اتفاقيتين أقاما المنظمتين الأكثر أهمية على مستوى المنظومة النقدية ــ المالية العالمية حتى الآن، وهما «صندوق النقد الدولى» و«البنك الدولى» دون مشاركة من الاتحاد السوفيتى وحلفائه.
تبنّت «الجات» مبدأ «حرية التجارة»، المقيدة أو المنقوصة على كل حال، بشكل عام. وبالتوازى مع ذلك، تبنّت الولايات المتحدة ــ والغرب الأوربى ــ نهجا متسامحا إلى حد بعيد، خلال الستينيات والسبعينيات ومطلع الثمانينيات، مع تجارة الصادرات الآسيوية، القادمة بشكل موسع من اليابان وبعض البلدان الآسيوية الأخرى السائرة على النهج اليابانى، والتى اتخذت لها طريقا خاصا هو «النمو المدفوع بالصادرات» Export ــled growth. وهذه التجارة الغزيرة، اليابانية شرق الآسيوية، إلى أين؟ إلى الولايات المتحدة وأوروبا الغربية بالتأكيد. ومع التوسع التصديرى الهائل، بطابعه (الفيضانيّ)، وقع ردّ فعل قوى من الجانب الأمريكى الذى ظل يستقبل الشطر الأعظم من الصاردات الآسيوية بطريقة تيسيرية أو «تساهلية» ردحا من الزمان. وكان ردّ الفعل ذا طابع «مرّكنتيلى» أيْ تجارى حمائى فى المعنى بشكل عام. وفرضت الولايات المتحدة عدة قيود من أنواع عديدة فيما أطلق عليه فى أواسط الثمانينيات مسمّى «الحمائية الجديدة» Neoــprotectionism وذلك خلال عهد الرئيس الأمريكى الأسبق «رونالد ريجان». ولكن تحت الضغط الدولى المتزايد لتحرير التجارة الدولية، وخاصة لمصلحة البلدان النامية، عقدت سلسلة من جولات التفاوض التجارى الدولية فيما سمّى «جولة أوروجواى» سعيا إلى عقد اتفاق تجارى عالمى شامل. وقد أسفر ذلك فى نهاية الأمر عن إقامة «منظمة التجارة العالمية» WTO بمقتضى «اتفاق مراكش» مايو 1994.
فى نفس التوقيت، أو توقيت مُقارِب، أخذ «الاتحاد السوفيتى» يترنّح لأسباب متعددة، قبل أن ينهار كليا عام 1990 ومعه منظومته (الشرقية ــ الاشتراكية). وبذلك تمّ تمهيد الطريق لإقامة نظام تجارى كامل جديد تغيب عنه المنافسة الحقيقية ويُطلق السراح كليا للمنظومة الرأسمالية العالمية بقيادة «الدولة العظمى الوحيدة»، وباسم الحرية. نظام شعاره العام «حرية التجارة»، حيث السيطرة فيه للأقوى، وفى سياق عام يدعو إلى «فتح الأبواب» من خلال الدعوة إلى العولمة.
فى قلب دعوة – أو «دعاية» ــ العولمة نجمت وقائع صلبة، قائمة على تشديد النهج الوطنى ــ القومى فى المعاملات الاقتصادية الخارجية لدول العالم، المتقدمة والنامية، تحت مسمّى مغاير هو «التنافسية» وكذا دعم القدرات التنافسية، وخاصة فى الميدان التكنولوجى؛ نهج «استراتيجى» إن شئت. كانت تلك حقبة الرئيس الأمريكى الأسبق «بيل كلينتون» الذى عمل خلال التسعينيات وفق النهج المذكور فى حقليْن متلازميْن: التنافسية والتكنولوجيا. وكان له ما أراد من الإطاحة بالشركاء ــ الغرماء، المنافسين القدامى، الحلفاء بالذات، فى أوروبا واليابان. ولكن (مكْر التاريخ) اشتغل..! فقد ارتأت العقول الاستراتيجية الأمريكية بالذات، أن تستبدل السوفيت بالصين، وأن تحول الصين هذه من عدّو محتمل إلى شريك موثوق. وكان الصعود الصينى العظيم. وبعد أن كانت حدثت فى الماضى موْجة لـ«نقل الصناعات» ــ من الغرب وأمريكا ــ إلى اليابان والشرق الأقصى فى الستينيات والسبعينيات وأوائل الثمانينيات، حدثت موْجة ثانية منذ أواخر التسعينيات ومطلع الألفية الثالثة، ولكن هذه المرة باتجاه الصين. وهذا ما كان.
ولكن النموّ الصناعى الصينى، وفق الشراكة الاستراتيجية، الصريحة أو «الضمنية، بين أمريكا والصين، واصل طريقه دون هوادة، حتى أحدث، أخيرا، آثارا عميقة على الصعيد الاقتصادى الداخلى فى الولايات المتحدة، من خلال إقفال عدد من الفروع الصناعية ذات المستوى التكنولوجى الأدنى نسبيا. وكان أن ارتفع معدل البطالة، وخاصة بين العمال البيض «الأنجلوسكسون»، الذين شكّلوا، ومعهم جمهور غفير نسبيا متضرر من التجارة مع الصين، القاعدة الانتخابية لرئيس جديد، دونالد ترامب، أتى سريعا على صهوة جواد جامح غضوب، ليتولّى مقعده الأثير فى «البيت الأبيض»، متربعا على دسْت الحكم، فى بداية العام 2017. ومن ثم تهيّأ الظرف لموجة جديدة من الحمائية التجارية تقودها أمريكا، وجهتها المحدّدة هى الصين بالذات، موجة تتلو تلك التى انطلقت فى الثمانينيات وكانت تُسمّىNeoــProtectionism.
***
ولكن الحماية التجارية المجدَّدة، الآتية بعد عشرين أو خمسة وعشرين عاما من سابقتها، ماذا عساها أن تُسمّى يا تُرى؟ لعلها يمكن أن تسمى بالحمائية التجارية «الجديدة ــ الجديدة» New NeoــProtectionism أو الحمائية التجارية المجدَّدة ربّما Renewed Protectionism تلك هى موجة الرئيس «دونالد ترامب» الراهنة. وهى هجومية الطابع لا ريب، تخوض «مباراة صفرية» فيما يبدو، مع خصم تجارى عنيد ــ الصين بالذات.. فإلى أين..؟
إلى أين، وها هى الطبيعة تعاند الجميع أو تفاجئهم، بما لا يخطر على قلب بشر، وإذا هى حرب بيولوجية من البشر أو عليهم، لعلها تفتتح جولة غير منتظرة من دورة الركود الاقتصادى العميق. فكيف يتم فضّ الاشتباك بين السياسة والتجارة، ليتفرغ «أولياء الأمور» للاقتصاد من بوابة الطبيعة..؟
أم أن نوازع الهيمنة العدوانية لدى البعض من سادة العالم الراهن وتوابعهم، فى عصر سيادة إيديولوجيا «الليبرالية المستجدّة»، سوف تسد الطريق أمام العقلانية وروحية التقدم؛ ليظل عالمنا، لا قدّر الله، نهبا لتخبط «آلهة الشرّ» الأسطورية..؟ ذاك ما لا نرجوه؛ فنرجو استعادة جماعية لروح العقل، ولعقل التقدم الاجتماعى المستقبلى المنشود للإنسانية المعذّبة.
وهيّا إذن إلى العمل الحقيقيّ، إلى أعلى وإلى الأمام..!

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2020 ShoroukNews. All rights reserved