لماذا تتعثر سيناريوهات إنهاء الحرب؟

معتمر أمين
معتمر أمين

آخر تحديث: الجمعة 27 مارس 2026 - 6:00 م بتوقيت القاهرة

فى خضم التصعيد العسكرى الجارى، حيث تنهال صواريخ إيران على الخليج والعمق الإسرائيلى، وفى ظل توقع عملية إنزال جوى للفرقة 82 الأمريكية على جزيرة طنب الكبرى فى الخليج، تنشط قنوات دبلوماسية خلفية وتعمل بوتيرة متصاعدة. وذلك بفضل ثلاثة أطراف رئيسية: مصر وتركيا وباكستان، الذين يقومون بدور محورى فى تهيئة مناخ للتواصل بين طهران وواشنطن. لكن اللافت أن مصر، كانت الأكثر قدرة على فتح قناة اتصال مباشرة مع الحرس الثورى فى لحظة كانت فيها أغلب القيادات الإيرانية التقليدية قد استُهدفت.
هذه المعلومة، التى نشرتها صحيفة «وول ستريت جورنال»، لم تكن مجرد تفصيل تقنى، بل كشفت عن حقيقة جوهرية: الحرب لم تُغلق أبواب المفاوضات، بل أعادت ترتيب الأدوات والأشخاص.
وعلى طاولة المفاوضات، بدأت واشنطن بعرض رؤيتها التى حملت 15 بندًا، كان جوهرها يتلخص فى تفكيك القدرات النووية الإيرانية. بمعنى أن إيران مطالبة بتسليم مخزون اليورانيوم المخصب بنسبة 60% (حوالى 450 كيلوجرامًا) إلى الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وإغلاق منشآت نطنز وفردو وأصفهان، وقبول رقابة دائمة على أى نشاط نووى مستقبلى. كما طالبت واشنطن بوقف فورى لتخصيب اليورانيوم داخل الأراضى الإيرانية. هذا البند وحده كان بمثابة خط أحمر بالنسبة لطهران، التى ترى فى التخصيب حقًا سياديًا لا يمكن التفريط فيه.
لم تقف الشروط الأمريكية عند الملف النووى، بل امتدت إلى برنامج الصواريخ الباليستية، حيث اشترطت تقليص مدى الصواريخ الإيرانية إلى أقل من 2000 كيلومتر، فلا تصل إلى إسرائيل، ناهيك عن منع تطوير صواريخ جديدة قادرة على تهديد أوروبا. كما طالبت بالتخلى الكامل عن سياسة الوكلاء فى المنطقة، وهو ما يعنى عمليًا إنهاء دعم حزب الله والحوثيين والميليشيات الشيعية فى العراق. وفى مقابل ذلك، عرضت واشنطن رفع العقوبات الاقتصادية وإلغاء آلية «سناب باك» التى كانت تسمح بإعادة فرض العقوبات تلقائيًا، مع تقديم مساعدة لإيران فى تطوير برنامج نووى سلمى لتوليد الكهرباء.
••
لم تتفاعل إيران مع المطالب، واكتفت بتقديم رؤيتها التى ترتكز على خمس نقاط، حملت رسالة واضحة مفادها أن زمن التفاوض من موقع الضعف قد ولى. واشترطت أولًا نظامًا جديدًا لمضيق هرمز يسمح لها بجمع رسوم عبور من السفن، فى خطوة تهدف إلى ترسيخ السيادة على هذا الممر الحيوى. ثانيًا، طالبت بضمانات بعدم استئناف الحرب كشرط أساسى لأى تهدئة، وذلك لعدم تكرار ما اعتبرته خرقًا للاتفاقات السابقة. ثالثًا، اشترطت نهاية للضربات الإسرائيلية على حزب الله، ربطًا منها بين جبهات الصراع ورفضًا لفصل أى طرف من محور المقاومة. رابعًا، وضعت رفع جميع العقوبات عن إيران كشرط غير قابل للمساومة، لضمان أن أى اتفاق مقبل لن يكون مؤقتًا أو قابلًا للانسحاب منه. خامسًا، تمسكت بالسماح لها بالاحتفاظ ببرنامجها الصاروخى دون أى تفاوض على تقييده، معتبرة إياه خط الدفاع الأول عن أمنها القومى.
هذا التباين الصارخ بين الشروط الأمريكية الـ15 والنقاط الإيرانية الخمس، لم يكن مجرد اختلاف فى القوائم، بل كشف عن أزمة ثقة عميقة. فطهران، التى خاضت الحرب بعد اغتيال قياداتها، كانت تريد إيصال رسالة واضحة: نحن من نحدد سقف التفاوض، ولن نكرر تجربة الاتفاق النووى 2015 الذى استغلته واشنطن لاحقًا لفرض مزيد من العقوبات. أما واشنطن، التى راهنت على أن الضغط العسكرى سيدفع إيران إلى طاولة المفاوضات من موقع ضعف، فوجدت نفسها أمام خصم لا يزال يسيطر على ممر مائى حيوى، ويطلق صواريخ تصل إلى العمق الإسرائيلى، ويمتلك قدرة على تعطيل الملاحة الدولية.
يرتبط هذا الموقف باتصال هاتفى كاشف جرى يوم 24 مارس الجارى، جمع وزير الخارجية الإيرانى مع ستيف ويتكوف، مبعوث ترامب للشرق الأوسط. فبحسب ما تسرب من تفاصيل، فإن الوزير الإيرانى بدأ الاتصال بتأكيد أنه يتحدث بموافقة مباشرة من المرشد الأعلى، فى إشارة واضحة إلى أن النظام الإيرانى لم ينهار، وأن القيادة العليا متماسكة. ثم طرح الشروط الإيرانية بحزم، ليرد ويتكوف بحدة، معتبرًا أن هذه الشروط تعنى استمرار الحرب.
• •
على الجانب الآخر، لم تكن دول الخليج بعيدة عن المفاوضات. تقارير حديثة أشارت إلى أن دول الخليج المستضيفة لقواعد أمريكية باتت تدرس مطالب جديدة تريدها من واشنطن، أبرزها: التشاور المسبق قبل أى عملية عسكرية تنطلق من أراضيها، وتقاسم الخسائر المادية التى تتكبدها نتيجة الهجمات الإيرانية، وضمانات أمنية واضحة غير مشروطة. هذه المطالب، التى نشرتها مجلة «فورين بوليسى»، تعكس تحولًا جوهريًا فى الموقف الخليجى، الذى كان يرى فى القواعد الأمريكية «درعًا حامية»، وتحولت إلى هدف يجلب الهجمات.
السؤال الذى يبقى مطروحًا بقوة: هل نحن أمام مفاوضات جادة لإنهاء الحرب، أم أن ما يحدث هو مجرد شراء وقت من قبل الطرفين؟ المشهد العسكرى لا يزال مفتوحًا على كل الاحتمالات. فتحريك الفرقة 82، ووصول سفن الإنزال الأمريكية، إلى جانب إعلان إيران استمرارها فى ضرب حاملات الطائرات بصواريخ كروز، كلها مؤشرات على أن الطرفين يستعدان لسيناريو تصعيد أكثر اتساعًا.
فى حال فشل المسار الدبلوماسى الحالى، فإن المنطقة مقبلة على سيناريو تصعيدى خطير. فالمشهد يشير بوضوح إلى أن إسرائيل، بقيادة نتنياهو الذى لم يعد يراهن على انتخابات مبكرة لإنقاذ نفسه سياسيًا، قد يدفع الأمور نحو الهاوية. فشعبية نتنياهو المرتبطة بفكرة «هزيمة إيران» اصطدمت بواقع الهجمات الإيرانية المستمرة بالصواريخ الباليستية، والتى كشفت عن عجز كبير فى الدفاعات الجوية الإسرائيلية، حيث اضطرت تل أبيب إلى تقليص مناطق الحماية لتقتصر على الأهداف العسكرية فقط، تاركة منشآت الطاقة والمدن تحت رحمة الصواريخ.
هذا الوضع يخلق ضغطًا هائلًا على الحكومة الإسرائيلية، التى تجد نفسها عاجزة عن تحقيق «النصر الساحق» الذى وعدت به، مما يهدد بانهيارها سياسيًا فى ظل تفاقم الضغوط على الميزانية الإسرائيلية. فى المقابل، تدرك إيران أن استمرار الحرب بنسقها الحالى يخدم سرديتها الوطنية، خاصة مع سيطرتها على مضيق هرمز، حيث تفرض رسوم عبور وتستعد لتفخيخ المضيق بالكامل أو إغلاقه، مما سيضاعف الخسائر الاقتصادية العالمية ويدفع أسعار النفط لمستويات قياسية.
• •
على الجانب الأمريكى، يواجه الرئيس ترامب مأزقًا داخليًا حقيقيًا، بعد تصاعد الانتقادات فى وسائل الإعلام الأمريكية مثل «نيويوركر» و«نيويورك تايمز»، التى اتهمته بالنرجسية وعدم تقدير قدرات الخصم. فأى مغامرة عسكرية جديدة، كالإنزال على جزيرة طنب الكبرى التى يقترحها البعض، لن تؤدى إلا إلى توسيع رقعة الصراع دون ضمان النصر، خاصة مع قدرة إيران على تصعيد الرد عبر حلفائها فى اليمن لإغلاق مضيق باب المندب، وتحويل المنطقة إلى جبهة مشتعلة. فى هذا السيناريو، تتحول الحرب إلى اختبار للصبر والإرادة، حيث الخاسر الأكبر سيكون الاستقرار الإقليمى والاقتصاد العالمى، فى صراع طويل الأمد يغذيه تعنت القيادات ورهاناتها الشخصية الضيقة.

باحث فى مجال السياسة والعلاقات الدولية

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2026 ShoroukNews. All rights reserved