أبناء «صليل الصوارم»

خالد سيد أحمد
خالد سيد أحمد

آخر تحديث: الجمعة 27 مايو 2016 - 10:15 م بتوقيت القاهرة

أصيب المصريون بصدمة هائلة، عندما أقدم نفر من أبناء الوطن، على مهاجمة وحرق منازل للأقباط فى المنيا، وتعرية سيدة مسيحية مسنة فى الشارع، على خلفية انتشار شائعة عن وجود علاقة محرمة بين امراة مسلمة ورجل مسيحى.

مصدر الصدمة ان الواقعة وضعت المجتمع بكامله أمام مرآة، يحاول دائما تحاشى النظر فيها حتى لا يرى عيوبه وأمراضه، خصوصا ما يتعلق بجنوح بعض أفراده إلى التطرف والغلو والتشدد، الذى ازداد حدة فى السنوات الأخيرة.

النظر جيدا فى المرآة، يكشف لنا عن وجود قطاع عريض فى المجتمع، بداخله «داعشى صغير»، يشبه إلى حد كبير «الدواعش الكبار» الذين يدمرون الأوطان باسم الإسلام، ويقتلون ويذبحون ويحرقون الأبرياء، على أنغام نشيد «صليل الصوارم»، من دون ان تذرف لهم عين.

إعادة النظر مرة أخرى فى المرآة، تكشف لنا عن قائمة المتهمين الحقيقيين فى واقعة المنيا، التى لم تكن نتيجتها تعرية مواطنة مصرية فقط، ولكن فضح سلوكيات وممارسات وأخلاق مجتمع بكامله، يجد صعوبة فى التعايش الهادئ بين ابنائه.

يأتى على رأس قائمة المتهمين الحقيقيين فى واقعة المنيا، جماعة الإخوان والسلفيين، الذين ساهموا بأفكارهم المتشددة، وابتعادهم عن التسامح مع أبناء الوطن المختلفين دينيا، فى خلق مناخ عام من الكراهية، وترسيخ لثقافة رفض قبول الآخر، الذى ينظرون إليه دائما على انه مواطن درجة ثانية، عليه ان يدفع الجزية ليتمكن من العيش بين «الأطهار».

ما سبق ليس تجنيا على الإخوان والسلفيين.. فالمتابع لممارساتهم خلال السنوات الأخيرة التى تلت ثورات «الربيع العربى»، يجد شططا فى فتاويهم التى تحرم تهنئة الأقباط بأعيادهم الدينية واعتبارها نوعا من«الكبائر».

يمكن ان نتذكر هنا، الفتوى التى أصدرتها «الهيئة الشرعية للحقوق والإصلاح»، والتى كانت تضم مجموعة من رموز التيار السلفى والإخوان، فى نهاية شهر ديسمبر عام 2012، وجاء فيها نصا: «الأصل فى الأعياد الدينية أنهـا من خصوصيات كل ملةٍ ونحلةٍ، وقـد قـال تـعـالى: {لكلٍ جَعَلنَا منكم شِرعة وَمنهاجا}، وقال صلى الله عليه وسلم «إن لكل قوم عيدا».. فكل أهل ديانة شرعت لهم أعياد وأيام لم تشرع لغيرهم، فلا تحل مشاركة ولا تهنئة فى هذه المناسبات الدينية التى هى من أخص ما تتمايز به الشرائع باتفاق».

أما بالنسبة للواقعة الحالية، فيكفى ان تنظر إلى آرائهم على مواقع التواصل الاجتماعى، لتعرف حجم التشدد بداخلهم، والذى يعتبر المتهم الحقيقى فى تلك الحادثة، حيث يرى بعضهم، ان «بعض المسيحيين يتاجرون بالدين ويجاهرون بالعداء للإسلام»، فيما يذهب البعض إلى القول إنه «لا توجد أقلية فى العالم تحظى بحقوقها مثل الأقباط فى مصر.. بل اننا نحن الأغلبية المسلمة نحلم بمثل هذه الحقوق».

المتهم الثانى فى هذه الواقعة وغيرها من الوقائع المشابهة، هو تراخى أجهزة الدولة عن تطبيق القانون، واللجوء دائما إلى المجالس العرفية لحل أى مشكلة ذات بُعد طائفى، والتى تقرر فى النهاية «الترحيل القسرى» لبعض المواطنين عن منازلهم، الأمر الذى يقلل من هيبة الدولة وقدرتها على فرض القانون وحماية حقوق جميع مواطنيها.

فى دائرة المتهمين أيضا تكاسل المؤسسات الدينية الرسمية، سواء الإسلامية أو المسيحية، عن اداء واجبها المتمثل فى اصلاح الخطاب الدينى ومواجهة الأصوات المتشددة فى الجانبين، التى تعمد إلى تعميق الخلافات الطائفية والمذهبية ونشر الفرقة والحض على الكراهية وعدم القبول بالآخر.
واقعة المنيا ربما تكون أسبابها جنائية بحتة، لكن لها جذورها الفكرية والثقافية والدينية المترسخة، وللأسف قابلة للتكرار بشكل أو بآخر فى أى وقت، ما لم يتم اتخاذ اجراءات حقيقية لمواجهة الأفكار المتشددة والمتطرفة فى الجانبين، وترسيخ ثقافة التسامح والاعتدال، واعلاء قيمة الوطن على فكرة الجماعة أو الطائفة، وتطبيق القانون بحسم وحزم، وعدم التساهل مع مثيرى الفتنة من أبناء «صليل الصوارم» الذين يتمنون دائما اشتعال الوطن بالحرائق، لكى يرقصوا على جثته.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2020 ShoroukNews. All rights reserved