النجاح المكلف للقبة الحديدية


مواقع عالمية

آخر تحديث: الخميس 27 مايو 2021 - 10:21 م بتوقيت القاهرة

نشر موقع The Atlantic مقالا للكاتب أنشيل بفيفر، يقول فيه إنه على الرغم من النجاح الذى حققته «القبة الحديدية» فى الصراع الأخير وفى جعل الشعب الإسرائيلى يشعر بالأمان، إلا أنها سمحت بتجاهل المشكلة الأساسية المتمثلة فى الصراع طويل الأمد مع الشعب الفلسطينى وتأخير إيجاد حل له.. نعرض منه ما يلى. 

فى الـ 12 يومًا التى سبقت إعلان يوم الخميس عن وقف إطلاق النار، أطلقت حركتا حماس والجهاد الإسلامى الفلسطينيتان 4369 صاروخًا من مختلف الأحجام والمدى من غزة باتجاه إسرائيل. ووفقًا للجيش الإسرائيلى، فإن ما يقرب من ثلثى هؤلاء أخطأوا فى أهدافهم، حيث أصابوا الحقول وغيرها من المناطق المفتوحة، أو حدث بها عطل وسقطت. ولا يزال ذلك يترك حوالى 1500 صاروخ متوجه إلى مناطق مأهولة بالسكان، تم اعتراض أكثر من 90% منها بواسطة نظام الدفاع الصاروخى الإسرائيلى، القبة الحديدية. ومن اللافت للنظر أن هذا الوابل أسفر عن سقوط عدد قليل من الضحايا فى إسرائيل!. 

من شاهد تغطية القتال فى غزة وإسرائيل، بالتأكيد لن يكون قد فوّت عرض القبة الحديدية وهى تعترض الصواريخ، خاصة فى الليل. عندما تم تأسيسها لأول مرة منذ أكثر من عقد من الزمان، كان للقبة الحديدية مشككون فى فعاليتها، سواء فى إسرائيل أو فى الخارج، ولكن مع مرور الوقت، شهدوا ــ والعالم ــ نجاحها عمليا. 

إنه نظام تم تصميمه لمواجهة، على وجه التحديد، المنظمات الموجودة على حدود إسرائيل والتى لا تملك الأفراد أو القوة العسكرية لغزو وتحدى الجيش الإسرائيلى، مثل حماس فى غزة وحزب الله فى لبنان، ولكنها فى المقابل شجعت تلك المنظمات على تقوية ترساناتها الصاروخية التى، على الرغم من كونها بدائية وغير دقيقة، يمكن أن تستهدف دولا صغيرة مثل إسرائيل. كل بطارية من بطاريات القبة الحديدية تحمى جزءًا صغيرًا نسبيًا من الأراضى، لكن لدى إسرائيل الآن بطاريات متنقلة كافية لحماية المناطق المهددة فى أوقات التوتر.

***

فى الواقع، القبة الحديدية تعكس نقاط قوة وضعف الدولة الإسرائيلية، وتجسد الصراع الإسرائيلى اللامتناهى مع الشعب الفلسطينى. يقول الصحفى يعقوب كاتس، له كتاب عن صناعة الأسلحة الإسرائيلية: «تعتبر القبة الحديدية خير مثال على البراعة الإسرائيلية». ويضيف: «لكن نجاحها ذاته هو انعكاس لمشكلة إسرائيل الأكبر. فالقبة الحديدية تسمح بتجاهل حقيقة أن لديك جارًا على الجانب الآخر من الحدود مع آلاف الصواريخ الموجهة إليك. بعبارة أخرى، القبة الحديدية لا تسمح لك بإيجاد حلول جذرية لهذه المشكلة (الصواريخ فى غزة والصراع الأوسع مع الشعب الفلسطيني)».

القبة الحديدية تحظى بشعبية كبيرة بين الشعب الإسرائيلى. وعلى الرغم من أن إسرائيل تكبدت عددا قليلا من الضحايا خلال القتال هذا الشهر، إلا أن أكثر من 240 فلسطينيًا وفلسطينية قتلوا. هذا التناقض، الذى يرجع إلى حد كبير إلى فعالية القبة الحديدية، يظهر أيضًا فى الأضرار المادية للمنازل والمبانى والبنية التحتية على نطاق أوسع. باختصار، أثناء نزاع شديد مثل هذا النزاع، يوفر نظام الدفاع الصاروخى إحساسًا بالأمن.

لكن هذا يعنى أيضًا أن العديد من الشعب الإسرائيلى لا يشعر بالحاجة الملحة، للضغط على قادته لحل المشاكل الأساسية التى تسببت فى الأزمة طويلة الأمد مع غزة، حيث يعيش مليونا شخص فى قطاع ساحلى مزدحم منذ تولت حماس السلطة فى عام 2007. ولا يشعر العديد فى إسرائيل أيضا بالحاجة إلى معالجة الصراع التاريخى الأوسع مع الشعب الفلسطينى الذى بدأ منذ ما قبل تأسيس إسرائيل فى عام 1948. فوفقًا لاستطلاعات الرأى يحتل الأمن قائمة أولويات الشعب الإسرائيلى، تليه المخاوف المالية؛ أما حل النزاع مع الشعب الفلسطينى عادة ما يحتل المرتبة الخامسة أو السادسة، وينظر إليه الشعب الإسرائيلى على أنه منفصل عن الشعور بالأمن. لكن إذا ركز الشعب الإسرائيلى على الأمن بدلا من التركيز على المشكلة الأساسية نفسها، «أليس هذا إحساسًا زائفًا بالأمن؟».

***

نتنياهو ــ مثل القبة الحديدية ــ يتجاهل المشاكل الحقيقية ويستخدم التكنولوجيا لإخفاء العيوب العميقة والهيكلية فى المجتمع الإسرائيلى.

استجابته لوباء كورونا تعد مثالا. يدرك العالم بأسره أن إسرائيل كانت أسرع دولة فى طرح لقاحات كوفيد ــ 19 وتم تطعيم غالبية سكانها. حقق البرنامج نجاحًا هائلا. لكن ما تم التغاضى عنه، هو أنه قبل أن تصبح اللقاحات متاحة، أشرف نتنياهو على مجموعة وهمية من سياسات فيروس كورونا. وفى عام 2020، أصبح لدى إسرائيل أعلى معدل من الإصابات المبلغ عنها فى العالم؛ فقط متوسط العمر المنخفض نسبيًا لسكانها أبقى عدد الوفيات منخفضًا.

هناك عدة أسباب لفشل نتنياهو بشأن فيروس كورونا. أولها الضغط السياسى من كل من إدارة ترامب وجماعات المصالح الخاصة داخل إسرائيل، بسبب هذا الضغط كان بطيئًا فى إغلاق السفر الجوى من وإلى الولايات المتحدة، مصدر معظم حالات كوفيد ــ19 المبكرة فى بلاده. ورفض إجبار المجتمع الأرثوذكسى المتطرف فى إسرائيل، وحلفائه السياسيين الرئيسيين، الذين يعيشون فى حالة من الاستقلال عن الجميع، على الالتزام بقواعد الإغلاق، مما سمح للفيروس بالانتشار فى مدارسهم ومعابدهم.

ثم هناك اعتماد نتنياهو على التكنولوجيا لتعويض المزيد من العيوب الجوهرية. فعندما كانت لقاحات كوفيد ــ 19 على وشك الحصول على تصريح من الولايات المتحدة، قام بإجراء عشرات المكالمات الهاتفية للرئيس التنفيذى لشركة فايزر لتأمين شحنات مبكرة لإسرائيل. هنا، كما هو الحال مع القبة الحديدية، ظهرت براعة إسرائيل عالية التقنية لمساعدته: فمقدمى ومقدمات الرعاية الصحية العامة فى إسرائيل، المسئولون عن إعطاء اللقاح، لديهم سجلات طبية رقمية متقدمة، وكان نتنياهو قادرًا على إعطاء شركة فايزر بيانات حول كيفية عمل اللقاح مقابل الشحنات المبكرة. 

مثال ثانٍ عن تجاهل نتنياهو للمشاكل الأساسية: غيّر نتنياهو نظرة الشعب الإسرائيلى تجاه الحلول طويلة المدى لإنهاء النزاع مع الشعب الفلسطينى. وعلى مدى عقود، حذر المختصون والمختصات فى الداخل والخارج من أن الوقت ينفذ من إسرائيل لحل النزاع وأن الإدانة الدولية والضغط وحتى المقاطعات والعقوبات ستؤدى إلى عزلها. وأن نتنياهو، داخليًا، لم يستطع التعامل مع تحديات النمو السكانى الفلسطينى والمقاومة.

لكن يبدو أن لنتنياهو رأيا آخر فهو يعتقد أنه إذا بقيت إسرائيل صامدة، فإن العالم، بما فى ذلك الدول العربية، سيتنازل عن القضية الفلسطينية. وكتب فى كتابه عام 1993، مكان بين الأمم، أن «فى المستقبل المنظور، فإن النوع الوحيد من السلام الذى سيدوم فى المنطقة بين العرب واليهود هو سلام الردع»، وأن مثل هذه الاستراتيجية ستجعل العالم العربى يدرك أنه «سيستفيد من صنع السلام مع إسرائيل بقدر ما يمكن أن تكسبه إسرائيل من صنع السلام مع العرب». وبالتالى القبة الحديدية هى إحدى أدواته للحفاظ على سلام الردع وجعل الوقت يعمل لصالح إسرائيل.

***

وراء هذه الأعجوبة التكنولوجية للقبة الحديدية بنية تحتية قومية متصدعة وفشل فى الخدمات الاجتماعية للمواطنين والمواطنات اليهود والعرب على حد سواء. لهذا السبب، عندما مرت الصواريخ القليلة من غزة عبر درع القبة الحديدية هذا الشهر، كان الضحايا فى جميع الحالات تقريبًا من كبار السن، أو المعاقين، أو الفقراء، أو المشردين، أو سكان القرى العربية دون خدمات حكومية، وبالتالى لا يوجد مهرب من الصواريخ. وبينما قامت القوات الجوية الإسرائيلية بتشغيل القبة الحديدية، لم تكن هناك شرطة كافية داخل المدن الإسرائيلية للتعامل مع أعمال الشغب التى اندلعت بين العرب واليهود. وهنا نرى عيبًا بنيويًا آخر فى الدولة الإسرائيلية أهمله نتنياهو.

مع معدل نجاحها الملحوظ، فإن القبة الحديدية هى أقرب ما يمكن أن تكون نظاما دفاعيا مثاليا. إنها توضح براعة إسرائيل التكنولوجية الملحوظة. لكن القدرات الهائلة للقبة الحديدية تتغلب على المزيد من المشاكل الأساسية التى يبدو أن زعيم إسرائيل غير راغب فى حلها.

إعداد: ياسمين عبداللطيف زرد

النص الأصلى

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2021 ShoroukNews. All rights reserved