حوارنا الوطنى

إكرام لمعي
إكرام لمعي

آخر تحديث: الجمعة 27 مايو 2022 - 11:10 م بتوقيت القاهرة

مصطلح الحوار الوطنى ليس جديدا – كما تعلم عزيزى القارئ – ولعلك تتذكر أيضا أن كل رئيس اُنتخب للبلاد أعلن وطالب تقريبا بالحوار الوطنى. فلقد أصبح مصطلح الحوار الوطنى فى مصر يعنى عودة الحكام والأحزاب، بل ورجل الشارع، إلى الحوار بعد فترة انقطاع طالت أو قصرت، وذلك لأن كل رئيس يصل لسدة الحكم يبدأ بعد ثورة أو بعد وفاة رئيس يسبقه أو لأى سبب آخر، لذلك يحرص على أن يبدأ بداية ديمقراطية ولكنه عادة ينتهى بصورة مختلفة. وقد تكرر ذلك ست مرات منذ ثورة يوليو ١٩٥٢م، وعادة تأتى فكرة الحوار الوطنى من أعلى إلى أسفل، أى من الحكام ورؤساء الأحزاب... إلخ. وبالطبع يتجاوب الناس فى كل مرة، لأن ببساطة من منا يرفض الحوار حول وطننا ومستقبلنا؟! وبحسب تجاربنا السابقة نستطيع القول أن الحوار الوطنى فى كل مرة كان يرفع طموحنا إلى أعلى ما يمكن الوصول إليه سواء كان سياسيا أم اقتصاديا أم علميا... إلخ.
وهكذا جاءت دعوة الرئيس السيسى للحوار الوطنى. تجاوب المصريون مع الدعوة واتخذوها بجدية كاملة، وهى تحظى باهتمام حقيقى لأنها صادرة من رأس الدولة والذى دائما لا يدعو لأمر لمجرد إلهاء الناس عن الغلاء، أو محاولة لتهدئة قيادات الأحزاب لسبب أو آخر، أو محاولة لفت نظر الناس بعيدا عن إخفاقات سياسية أو اقتصادية (رفع الأسعار) أو اجتماعية... إلخ، لذلك نحتاج إلى حوار حقيقى وجاد.
من الملاحظ أنه عندما أطلق السيسى بدء الحوار رأينا نفس الوجوه (رجال ونساء) التى حفظناها منذ ما يقرب من ثلاثين عاما أو أكثر وهى التى تتصدى للحوارات والمناقشات، إنها مباراة للمحترفين، بينما أعتقد أنه لم يكن فى ذهن السيسى ولا فى ذهن شباب مصر الذى قام بالثورة وأيّد السيسى أن يروا هؤلاء البشر وهم يكررون المسرحية فى كل مرة، للمرة السادسة أو السابعة. ونحن نناشد الرئيس السيسى أن يناشد هؤلاء الذين احترفوا اللعبة أن يتنحوا جانبا، وذلك أفضل لهم، وأن يتركوا الحوار للوجوه الجديدة والشباب والمرأة والمثقفين لأنهم لم يشاركوا فى مثل هكذا نشاط. فالشعب المصرى منذ أن بدأ التلفزيون نشاطه لم ير شبابا أو حتى رجالا غير محترفين، لكنه رأى من هم فوق الستين أو حتى السبعين من المحترفين لمثل هكذا أمور مما أدى إلى التكرار الممل وفشل المشروع برمته وتحكم جيل من العجائز الذين لم ينجزوا المطلوب منهم فى كل مرة.
• • •
من هنا على المسئولين عن هذا الأمر من المثقفين والسياسيين ورجل الشارع وشباب الحوارى أن يشجعوا الشباب على مستوى الجمهورية. ويجب أن يبدأ الحوار من الشارع وليس من بقايا الحزب الوطنى أو الأحزاب الأخرى التى كانت معاصرة له، ولنبدأ بمحافظتين أو ثلاث أو أربع. ربما نجد أن هؤلاء البشر ليس لديهم أى تصور سياسى بسبب بعدهم عن السياسة لعشرات السنين، أو نجد من بينهم عددا قليلا يحاول أن يتثقف سياسيا، لكن من هؤلاء سوف نجد من لديه طموح وشوق للمعرفة والتعلم، سوف يبدأون بالتعبير عن نفسهم ربما بطريقة ساذجة لكنها قادرة على الوصول بالفكرة للآخرين.
لا شك أنه عندما نطلق مثل هذه التجربة برعاية فريق يُعينه الرئيس السيسى بعيدا عن محترفى الأحزاب، فمثل هكذا تحرك سوف نجد من يقف بقوة ضده من محترفى السياسة القدامى والحاليين، لكن فى نفس الوقت سوف نذهل من عدد الشباب والرجال غير المحترفين للسياسة وهم يقدمون أنفسهم كمثقفين وخبراء ومختبرين للواقع الذى يعيشونه من الإسكندرية وحتى أسوان، أى سنجد قيادات محلية يحملون فى جيناتهم ودواخلهم القدرة على التفاعل والتعامل على مستوى المحافظات، بل والعاصمة والثغور أيضا. بالطبع سوف تجد قيادة هذا الفكر رفضا واضحا من المجتمع المركزى، لأن مثل هذا المجتمع التقليدى يسفّه أى أفكار جديدة تأتى من خارجه، لكى يحتفظ بحصته السياسية والاقتصادية والتى أثبتت فشلها كثيرا، ويراهنون بأنه ليس لهم بدائل وأن البدائل التى سوف تُختار للعمل ستفشل. من هنا يجب أن يكون هناك إصرار من الرئاسة لإنجاح التجربة، وأقصد بالتجربة وجوه سياسية جديدة على مستوى الجمهورية بأعداد كبيرة، وتدريبها على ممارسة السياسة بحرفية، وانتقاء منهم من هو قادر على التعلم. بالطبع لدينا كوادر لسنين طويلة، ومنهم من الذين يتجردون من المناصب أو البحث عنها أو القفز فوقها، والقيام بتدريب الشباب والرجال الذين لديهم الاستعداد للتعلم.
البعد الثانى الذى أريد أن أشير إليه هو أهمية الاستماع إلى السياسيين المحترفين الذين يعيشون خارج البلاد، أو هاجروا من مصر وهم شباب وانخرطوا فى السياسة فى بلاد المهجر وصاروا أعلاما كل واحد منهم فى مكانه، سواء كانت مكانته سياسية ولهم الأولية، لكن أيضا الذين مكانتهم علمية أو صحافية أو أدبية... إلخ. ولأنهم ينتمون إلى الوطن من ناحية وفى نفس الوقت ينظرون إلى مصر من خارجها، وهم مشبعون بأفكار سياسية واقتصادية واجتماعية فى بلدانهم وأيضا متابعون لمصر ولتحركاتها ولسياساتها... إلخ، ويتمنون أن تكون مصر من أفضل بلدان العالم. لذلك لابد من الاستعانة بهم كجزء هام مع الأغلبية من الوطنيين المحليين فى مصر ورؤيتهم السياسية والاقتصادية والاجتماعية وصدوها بالخارج مقارنة بالتجربة المصرية الحالية وبما نريد أن نحققه فى المستقبل.
• • •
إن فكرة الحوار التى أطلقها الرئيس السيسى هى فرصة وطنية هامة جدا لعدة أسباب، أولها التدريب على الحوار المجتمعى والذى نفتقده. فأى حوار خارجى أو داخلى سوف يتعلم منه الطرفان، فنحن نستمع إلى الفكر المصرى الوطنى المحلى والفكر المصرى الجديد والعالمى، وهكذا يلتقى الأصيل مع الجديد. بلا شك سوف نسمع احتجاجات من هنا وهناك تشكك فى كفاءات كثيرة لدى هذه الأكثرية الجديدة القادمة، وهنا الحذر واجب مبنى على تجارب الماضى فى الجمهوريات السابقة (ناصر– السادات– مبارك ــ ... إلخ) وهنا علينا أن لا نرفض هذه الأفكار لمجرد أنها أفكار قاومها الشعب أو لم تأت بنتائج ناجحة، لكن علينا أن نقوم بتقييمها واختيار الأفضل منها ووضع أسس لنجاحها.
ولتكن تجربة لسنوات قليلة من ثلاث إلى خمس سنوات بجدول محدد لتحقيق أهداف واضحة المعالم ورفض ما يمكن أن يعرقل المسيرة.
أستاذ مقارنة الأديان

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2022 ShoroukNews. All rights reserved