ليلة العيد
جميل مطر
آخر تحديث:
الأربعاء 27 مايو 2026 - 6:55 م
بتوقيت القاهرة
أذكرنى مرتديا «الشورت» وقد انتهينا من ذبح خروف العيد. قام بالذبح وسلخ الفروة جزار، أو بالأحرى صبى جزار، وأظن أنه حصل على الفروة أجرا على ما فعل بالخروف وعلى الوقت الذى قضاه بعد ذلك لمساعدة «سيدة» وأمها فى جهود إزالة آثار ما فعل وإعادة «السطوح» الى ما كان عليه قبل الذبح نظيفا وأنيقا كما عهدناه دائما ملعبا للصغار من سكان العمارة.
كنا، فى عصر ذلك اليوم، «ملهوفين» على أداء ما تبقى لنا لنفعل من طقوس هذا اليوم المجيد. تجسدت لهفتنا فى صرخات فرح وانبهار بوصول صبى الفران يحمل ألواحا من الخوص تحمل بدورها عشرات الأرغفة الملتهبة سخونة. تتسلمها أمى مقابل عيدية مناسبة لحاملها الذى راح يهمس فى أذن «سيدة» برسالة فحواها أنه سيكون بانتظارها مع أمها ليحصل على نصيب عندما تبدآن فى توزيع الأرغفة على المتسولين والدراويش المقيمين بصفة دائمة حول مسجد السيدة زينب. تحت الإلحاح وافقت أمى على استعداد «أم سيدة» اصطحابى مع فريق التوزيع بشرط أن يتولى هذه المسئولية على السروجى، الساكن المقيم نهارا فى غرفة البواب ومهنته الأساسية تصليح الأحذية وحمايتنا نحن الصغار من أشرار الأحياء المجاورة.
عدنا قبل المغرب بقليل. أمى سألت فأجابت «أم سيدة» بنعم، «تسابقت زائرات الست على احتضانه وتقبيله». عطفا على هذه الإجابة أخذتنى أمى الى الحمام وأغرقتنى بالماء باردا وجاءت بملابس نظيفة ونبهتنى الى تغيير ما كنت أرتديه قبل أن ألتحق بها فى الشرفة حيث مكانها المفضل بعد يوم عمل لم تهدأ خلاله للحظة راحة مع فنجان قهوة أو شريحة بطيخ. راحت كعادتها تسألنى عن أصحابى واحدا بعد الآخر.
• •
أذكر جيدا تفاصيل تلك اللحظة. كانت تراقب الطريق وتعلق لتختبر. تختبرنى وتختبر أصحابى وعائلاتهم مما أحكيه عنهم طواعية أو تحت الاستجواب الحنون والذكى. وقعت عيناها على موظف شركة الغاز يحمل السلم المعدنى وحقيبته وعمود الشعلة التى يستخدمها ليضىء شعلة فانوس النور الواقع على ناصية التقاء شارعين نطل نحن أيضا من شرفتنا عليهما. استدارت ناحيتى لتطلب منى الدخول الى المطبخ لأطلب من «سيدة» وضع أحد الأرغفة المحشوة بالأرز واللحم المسلوق فى «ورقة جورنال» لأنزل وأعطيه الى عامل الغاز مع تمنيات أمى بعيد مبارك يعود عليه وعلى أهله بالخير والصحة الطيبة. فهمت وقتها ان العيد فرصة لتلقين ابن العاشرة بعض طقوس ولغة التخاطب مع الغرباء فى المواسم الدينية كهذا العيد،عيدالأضحى.
أثناء الذبح سمعت أمى تطلب من صبى الجزار استخلاص قطع معينة من داخل الخروف مثل «الكبدة والكلاوى» وتنظيفها وتسليمها لأم سيدة المكلفة بإعدادهما، كما جرت العادة، للشواء ضمن وليمة إفطار أول أيام العيد. مر على هذه اللحظة أكثر من ربع قرن ليطل علينا العيد الكبير لأول مرة فى القاهرة وقد صرت زوجا ووالدا لطفلين. أبدت زوجتى دهشة مختلطة بالرفض عندما طلبت منها إعداد شواية الفحم من أجل إفطار أول أيام العيد. استنكرت عادة تناول إفطار اللحوم المشوية وأصرت على أنها لا تريد تلقين أطفالها طقوسا مضرة بصحتهم. ذكرتها بأيامنا فى بيونس آيرس عندما كانت رائحة الشواء تفوح فى شوارع الحى الفاخر صباح كثير من الأيام، وهى الأيام التى يوجد فيها عمال من الريف الارجنتينى فى الحى للعمل فى مشاريع البناء ورصف الطرق. هؤلاء كانوا يتناولون اللحم المشوى على امتداد وجباتهم الغذائية وأهمها الإفطار.
• •
من رحلات الذاكرة قبل ثمانين وسبعين سنة، من رحلة الشواء والعيد والأم الزاهدة فى متع الدنيا الزائلة إلى عالم يهيمن على أهم مقدراته قطب عظيم ينحدر وإلى أحداث زمن تكشف حجم مأساته صور لرئيس هذا القطب المنحدر قوة واخلاقا مع رئيس قطب صاعد بتؤدة ولكن بحزم، صور ناطقة تنقل عن الرئيسين حديثا متبادلا فى زمن ملتهب بالتوتر والقلق والخشية من أن يلجأ أضعف الرئيسين عقلا وخبرة الى حرب نووية لا ترحم ولا تستثنى.
أرى من كوة فى الذاكرة رئيسا هو الضيف لا يحمل هم الدمار والخراب ويتحدث طوال لقاء القمة عن إعجابه بتماثيل القصر الإمبراطورى فى بكين وبالزهريات البديعة فى رسمها والصادقة فى قدمها وحقيقتها وعن دهانات الجدران، عن الإبداع فى اختيار ألوانها وحسن اختلاطها، ورئيس آخر هو المضيف يتأمل متفاخرا ومتباهيا بأسبقية بلاده فى احتلال مكان مرموق فى التاريخ ويتأمل ساخرا فى أحوال الضيف الذى يستحق عن جدارة فى حكم السياسة والقانون والتاريخ صفة «البطة العرجاء».
قضيت ليلة العيد أفكر فى حال عالم يعيش أياما يسود فيها ارتباك من يتوقع مستقبلا مختلفا كل الاختلاف عن حاضره. لا تدرج ولا قدرة واعية وقادرة على التدبر وأدوات وآليات مبتكرة هى من صنع عقل من لا عقل له. فكرت فى زمن سوف يعيش فيه أولادى وأحفادهم، هؤلاء بذلت الكثير من الطاقة ومن سنوات الجهد ومن العلم من أجل تدريبهم على حسن استخدام ذكائهم لأكتشف فى تلك الليلة، ليلة العيد، أن فى المستقبل سيأتى من يستبدل ذكاء أولادى وأحفادى بذكاء اصطناعى من صنع أجهزة وعقول الكترونية. يزعمون أنهم سوف يفلحون فى حقن أدوات وآليات هذا الذكاء الاصطناعى بإكسير الحب ، وهو أيضا مصطنع خصيصا لأبناء وبنات جيل المستقبل.
اكتشفت أيضا فى تلك الليلة، أو قل توصلت الى، أن إسرائيل تستعد لأن تحل محل إيران وأمريكا فتنشئ وتدرب وتطلق ميليشيا لكل بلد فى الشرق الأوسط. وبواسطة هذه الميليشيات نضمن عدم استقرار سياسى متواصل فى كل دول المنطقة، تماما ، أو تقريبا، مثلما فعلت القاعدة أو داعش بالعراق وسوريا ومثلما حدث فى ليبيا ويحدث فى السودان. تضمن إسرائيل على هذا النحو ألا تقوم دولة فى المنطقة تعيق ما تنوى عمله ، فعلا يختلف كثيرا عما فعلته فى غزة والضفة الغربية وجنوب لبنان، سلاسل من حلقات الدمار والخراب. الوضع الذى صار يطلق عليه فى صحف غربية تعبير «عمليات تحديث الهمجية»، وبسببه صارت إسرائيل فى نظر علماء يهود ومنهم جيفرى ساكس وجون ميرشهايمر، أمة من القتلة.
أى ليلة عيد كئيبة هذه الليلة!!؟ وما أحلى ليلة عيد عشتها مع الذاكرة.