الحج وخطبة الوداع فى فكر فيكتور هوجو.. أعظم أدباء الغرب!

أكرم السيسى
أكرم السيسى

آخر تحديث: الأربعاء 27 مايو 2026 - 7:00 م بتوقيت القاهرة

كتب كثير من أدباء الغرب عن الإسلام باعتباره صاحب الحضارة التى استطاعت أن تصل إلى بلادهم بالفتوحات، بدءا من فتح الأندلس، عندما عبر الأمويون بقيادة طارق بن زياد وموسى بن نصير إلى شبه الجزيرة الإيبيرية (إسبانيا والبرتغال) عام 711م، فوصلوا إلى جنوب فرنسا، وتوقفوا فى معركة بلاط الشهداء بين مدينتى تور وبواتييه (732م)؛ وفى القرن التاسع الميلادى -بدءا من 827م- تم فتح جزيرة صقلية وجنوب إيطاليا على يد الأغالبة، وصولا إلى القرن الرابع عشر مع فتوحات الدولة العثمانية فى شرق أوروبا والبلقان (رومانيا والصرب والمجر واليونان).
• •
من هنا نستطيع أن نجزم بأن الفكر الإسلامى وحضارته متجذران فى ثقافة ووعى الأدباء والفلاسفة الغربيين، ولعل الفيلسوف الأندلسى المسلم ابن رشد (1126-1198م) واهتمامه بالعقل أوضح دليل على وجهة نظرنا، فقد قامت حركة التنوير فى القرن الثامن عشر على كثير من أفكاره؛ فكتب فولتير مسرحية «زائير» (Zaïre) التى أدان فيها الحملات الصليبية، وأشاد ببطلها «أوروسمان» (Orosmane) الذى يرمز إلى صلاح الدين الأيوبى، وألف قصة «الصنديد» (Candide) عام 1759، التى استخلص فيها فلسفته: «فلنزرع حديقتنا»، فأعطانا حياة الدرويش المغربى المسلم مثلا، ودعا من خلاله إلى ترك التعصب الدينى، والاهتمام بالعمل وزراعة الحديقة، وفعل مثله مونتسكيو صاحب «الرسائل الفارسية» (Les Lettres persanes) (1721)، وكذلك روسو وغيرهم كثر!
وفى القرن التاسع عشر، جاء أكبر وأعظم أدباء وشعراء وروائيى فرنسا: فيكتور هوجو (1802-1885)، الذى ألّف «البؤساء» (1862) (Les Misérables) و«أحدب نوتردام» (1831) (Notre-Dame de Paris)، فهو يعد رائد الرومانسية التى تعتبر حركة أدبية وفنية وفكرية ثارت ضد الكلاسيكية، وضد موجة الإلحاد لدى بعض فلاسفة التنوير مثل ديدرو (Diderot). وتركز الرومانسية على تمجيد العاطفة والخيال، وتشمل مبادئها الأساسية العودة إلى الطبيعة كمصدر للنقاء والجمال والإلهام الروحى، فهى نزعة تميل إلى الصوفية، كما أنها تحتفى بالمشاعر الإنسانية القوية، خاصة الحزن والموت، ولهذا كان اهتمام هوجو بالإسلام تحديدا بعد وفاة ابنته ليوبولدين (1843) فى حادثة غرق، وكان عمرها 19 عاما.
أعجب هوجو بالإسلام، وتأثر بتعاليمه ومبادئه وقيمه، فخصص عدة قصائد للثناء على رسوله ﷺ، وشاعت أقاويل عن إسلامه، كما أشاد ببعض الصحابة مثل عمر بن الخطاب وعلى بن أبى طالب رضى الله عنهما، فكتب قصيدة ثناء بعنوان «شجرة الأرز» (Le cèdre)، وتعد هذه الشجرة فى مخيلة هوجو كناية عن العظمة والوقار والقوة، أهداها للفاروق عمر، وتحدث عنه كواحد من أهم الصحابة الذين كان لهم دور كبير فى نشر الإسلام فى كثير من أنحاء الأرض.
ومن أشهر ما كتب قصيدة أسماها «آية من القرآن» (Verset du Koran)، ضمن ديوانه «أسطورة القرون» (1859-1883) (La légende des siècles)، وهى مأخوذة من سورة الزلزلة، وتكاد تكون ترجمة لهذه السورة التى أعجب فيها بوصف يوم القيامة بما فيه من العدالة الإلهية، والبعث، والمسؤولية الشخصية عن الأعمال (الخير والشر)، وفيها يقول:
«ستزلزل الأرض زلزالا شديدا،
وسيقول الناس: ما لها؟
يومئذ، وهم يخرجون من الظلمة فى حشد
مثل ثعابين، غبرا، يقبل الموتى ليروا أعمالهم».
كما نظم هوجو قصيدة تعتبر الأهم فى مدح الإسلام ونبيه، وتعد أرقى ما كتب شاعر غربى فى مدح النبى ﷺ، استحضر فيها المعانى السامية لحجة الوداع، ولذلك أطلق عليها «السنة التاسعة للهجرة» (1858) (L’an neuf de l’Hégire). كتبها أيضا ضمن «أسطورة القرون»؛ حيث صورت تواضع النبى وحزمه وهيبته، وتضمنت تفاصيل سيرته ووفاته، وقد استحضر هوجو فى قصيدته خطبة الوداع؛ لأنها خطبة الحجة الأولى والأخيرة للنبي، فهى الخطبة التاريخية الشاملة التى ألقاها فى اليوم التاسع من ذى الحجة، ولأنها تعد دستورا جامعا لحقوق الإنسان وقواعد الإسلام!
• •
وإذ ننتهز فرصة أداء مناسك الحج هذه الأيام لنستعرض أوجه التشابه بين خطبة الوداع وبين قصيدة هوجو:
بدأ النبى خطبته بالحديث عن قرب موته، فقال: «أوصيكم عباد الله بتقوى الله (…)، أيها الناس، اسمعوا منى أبين لكم؛ فإنى لا أدرى لعلى لا ألقاكم بعد عامى هذا فى موقفى هذا». هذه البداية جذبت انتباه هوجو، فهو خطاب «مختلف»، لم يتحدث به الملوك والمنتصرون على مر التاريخ، وإنما خطاب بدأ بتقوى الله وقرب موته؛ والموت عند هوجو مفتاح فلسفته، حيث إن وفاة ابنته ليوبولدين (19 عاما) كانت عنصرا فاصلا فى حياته، حولته من أديب حالم إلى فيلسوف متصوف يبحث عن قيمة العدالة فى الموت، وفناء الحياة، وتفاهة بهجتها، وتدنى قيمتها!
ولعل فاتحة خطبة الوداع كانت مفتاحا لوحيه فى نظم هذه القصيدة، ولتلاقى أفكاره مع أفكار النبى، بدليل أنه استوحى بدايتها من بداية خطبة الوداع، وذلك لهدفين: الأول أن ينبه القارئ إلى مصدر إيحائه، والثانى أن يعلن توافقه مع خطاب النبى الذى يهتم بالموت؛ فقد رأى فى ذلك إشارة واضحة إلى إخلاص النبى فى أقواله، وبالتالى فى رسالته، فهو لم يتحدث عن انتصاراته ولا عن طموحاته فى الحياة الدنيا، فخطابه ﷺ الذى يؤكد موته القريب يكشف عن زهده وحرصه على أمته، وعلى أن الحياة الدنيا فانية، فطلب من أمته فقط طلبات روحانية وعقائدية، فكان أول ما دعا أمته إليه ألا يشركوا بالله، وألا يعبدوا سواه، وأن يعطوا كل ذى حق حقه، وألا يظلموا أحدا، كما أوصى بالضعيف والفقير، وأكد على العناية بالمرأة وحمايتها وتحريم الربا، وحرمة أكل المال بالباطل… إلخ.
تمثل قصيدة هوجو (153 بيتا) صورة بلاغية يطلق عليها بالفرنسية Épanadiplose، وفى العربية يقال لها: «التكرار الاستهلالى الختامى»، وهو أسلوب بلاغى يراد به بدء الجملة أو النص وختمه بالكلمة أو العبارة نفسها، وفى حالة هوجو تشير إلى بداية قصيدته ونهايتها بالمفهوم نفسه: «الموت»، وذلك يؤكد أهميته لديه!
هكذا نرى هوجو يبدأ قصيدته ببيت اقتبسه من خطاب النبى ﷺ عندما أشار إلى قرب موته: «لا أدرى لعلى لا ألقاكم بعد عامى هذا»، فيقول هوجو: «بما أنه أحس بدنو ساعة موته»!
ثم ينهى قصيدته بعدة أبيات يصف فيها لحظات موت النبى، واستسلامه بسكينة لملك الموت، وهى لحظات توضح زهد النبى، ويقينه بأن الموت نهاية كل شخص، وإدراك هذه الحقيقة يثبت بالدليل القاطع أن النبى لم يكن يبحث عن مال أو جاه، ولكنه كان مبعوثا من الله، ومرسلا بتكليف إلهى. هكذا وصف هوجو اللحظات الأخيرة للنبى التى أكدت حرصه على لقاء ربه فى أحسن صورة، وهذا ما فتن هوجو بشخصية الرسول! وقد ظهر هذا جليا فى الأبيات التالية:
«طالبه رجل بثلاثة دراهم فدفعها له قائلا:
خير لى أن أؤديها هنا من أن أؤديها فى القبر. (…)
كانت نظرات الناس (للنبى) عذبة كما لو أنها نظرات حمام.
نظر إليه هذا الرجل الجليل، سنده (سند للنبى).
كانوا يبكون جميعهم؛ لما عاد لاحقا إلى بيته، (…)
وفى الغد، عندما طلع الفجر،
قال (النبى): «أبو بكر، أنا لا أستطيع النهوض،
خذ المصحف وأقم الصلاة».
كانت زوجته عائشة تقف فى الخلف؛
كان ينصت إلى تلاوة أبى بكر،
وغالبا ما يكمل (النبى) بصوت خافت نهاية الآية؛
كانوا يبكون عند سماع تلاوته.
وعند اقتراب المساء، ظهر عند الباب ملك الموت
واستأذن فى الدخول.
(قال النبى): «ليدخل!» رأوا نظرته تشع
بنفس البريق الذى كان لها يوم ولد.
فقال له الملك: الله يريد حضورك.
قال النبى: «نعم». جرت رعشة على صدغيه.
فتح نفسه شفته، ومات محمد».
(فيكتور هوجو 15/1/1858)
كانت هذه بداية القصيدة ونهايتها، فكل مشاهدها عن الموت واستقبال النبى له بكل طمأنينة، فهو تجسيد حى لقوله تعالى: «يا أيتها النفس المطمئنة، ارجعى إلى ربك راضية مرضية، فادخلى فى عبادى، وادخلى جنتى» (الفجر: 27-30)، فهذا -من المؤكد- ما أراد أن يقوله هوجو من هذا الوصف المطول والمهيب!
وما بين هذين القوسين، أو ما بين «التكرار الاستهلالى الختامى»، ذكر هوجو مهابة شخصية النبى وبساطته، فقال:
«لم يعد ينحى باللائمة على أى أحد.
أن يمشى وهو يرد بالمثل تحية المارة». (…)
وعن وصفه لجمال النبى قال:
«كان واسع الجبين، سهل الخدين.
أزج الحواجب، أشكل، أدعج، عميق النظر.
كأن عنقه جيد دمية فى صفاء الفضة».
وعن حسن خلقه وحكمته، قال:
«حكم، إذا احتكم إليه رجلان فإنه (…)
يصغى بصمت، وهو آخر من يتكلم».
وعن زهده، قال:
«دوما يجرى على لسانه ذكر الله.
قليل الأكل، يربط حجرا على بطنه.
يسهر بنفسه على حلب نعاجه.
يفترش الأرض ويرتق ثيابه.
كثير الصوم خارج رمضان».
ولم تفته بعض المقارنات مع الأنبياء السابقين؛ للتأكيد على أن «محمدا» من زمرة هؤلاء الأنبياء، وأنه خاتمهم، وختامهم مسك، فقال:
«سمت نوح عرف سر الطوفان (…)
اسمعوا جميعا! أنا كلمة بين الكاف والنون (كلمة الله).
أنا رماد كبشر ونار كنبى (إشارة إلى نار إبراهيم ونور موسى).
أكملت نور عيسى (…)
الفجر دوما يسبق الشمس.
سبقنى عيسى، لكنه ليس السبب».
• •
هكذا كانت صورة الحج وخطبة الوداع فى عقل فيكتور هوجو، فصلاة الله على نبينا ومولانا وحبيبنا محمد ﷺ، فى يوم ذكرى خطبة وداعه من فوق جبل الرحمة بعرفات، والتى أصبحت منارة للإنسانية جمعاء حتى قيام الساعة.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2026 ShoroukNews. All rights reserved