عن الإنجاز المصرى فى كأس العالم
أحمد عبد ربه
آخر تحديث:
السبت 27 يونيو 2026 - 7:20 م
بتوقيت القاهرة
أكتب هذه الكلمات فور انتهاء مباراة مصر وإيران فى كأس العالم، التى أُقيمت فى مدينة سياتل بولاية واشنطن الأمريكية، مساء الجمعة بتوقيت الغرب الأمريكي، وصباح السبت بتوقيت مصر. كانت مباراة عصيبة حتى آخر دقيقة، وانتهت بالتعادل (١–١)، لكنها فى النهاية أهلتنا رسميًا، وللمرة الأولى فيما يقرب من قرن من الزمان، وبعد أربع مشاركات، إلى تخطى دور المجموعات. والآن ننتظر مواجهة أستراليا يوم الجمعة ٣ يوليو فى مدينة دالاس بولاية تكساس، وأتمنى أن يكتمل الحلم.
• • •
كانت مشاركتنا هذه المرة ناجحة بعد إخفاقات كثيرة، تنوعت بين عدم التأهل لكأس العالم أصلًا، أو التأهل وتحقيق نتائج هزيلة. لكن هذه المرة مختلفة، والاختلاف لم يكن فقط فى النتائج، حيث حققنا انتصارًا وتعادلين، وتخطينا دور المجموعات فى مجموعة قوية ضمت، إلى جانب مصر، كلًا من إيران وبلجيكا ونيوزيلندا، ولكن كانت هناك الروح والعزيمة والإرادة. ثم الأهم من ذلك كله كانت سيمفونية المحبة التى عزفها المصريون فى الخارج خلال المباريات الثلاث الماضية.
وقد كنت محظوظًا لأننى حضرت المباراة الثانية أمام نيوزيلندا فى مدينة فانكوفر الكندية، التى شهدت أول انتصار مصرى فى تاريخ البطولة، كما شاهدت محمد صلاح وهو يسجل واحدًا من أجمل أهدافه مع منتخب مصر. فما الذى يمكننى أن أتمناه أكثر من ذلك؟ لو قيل لى إننى لن أشاهد كرة القدم مجددًا فى أى استاد بقية عمرى، فسأكون ممتنًا فى كل الأحوال، لأننى لا أعتقد أننى كان يمكن أن أطلب أكثر من ذلك من صلاح أو من المنتخب المصرى.
وبسبب هذا الحضور المصرى التاريخى فى أكبر وأهم مناسبة كروية عالمية، يمكننى أن أسجل بعض الملاحظات العابرة عن كرة القدم، وعن محمد صلاح، وعن مصر.
• • •
الملاحظة الأولى لها علاقة بكرة القدم ومفهوم الوطنية والأبعاد السياسية للرياضة عمومًا. فهناك قطاع من الناس يرى أن التركيز على مباريات كأس العالم وغيرها من المناسبات الرياضية قد تكون له أهداف سياسية خفية. والحقيقة أن الأمر، تاريخيًا، له سوابق بالفعل، فلا يمكن الاستهانة بهذه الرياضة صاحبة الشعبية الطاغية فى توجيه بعض الرسائل السياسية، سواء على المستوى الدولى أو الإقليمى أو المحلى. لكن هذا الأمر لا ينطبق على مصر وحدها، ولا على الدول العربية أو النامية أو الأقل حظًا فى التحول الديمقراطى فقط. كرة القدم رسالة عالمية من اليابان إلى الولايات المتحدة، ومن جنوب إفريقيا إلى السويد، أى إن الأمر ينطبق على الدول الغربية والشرقية، الديمقراطية والسلطوية. ففى النهاية، صناعة كرة القدم ليست فقط من أجل الترفيه، والاتحاد الدولى لكرة القدم «الفيفا»، بهذا المعنى، هو أكبر مؤسسة سياسية فى العالم، ولا أكون مبالغًا لو قلت إنه بالفعل أقوى من الأمم المتحدة. ومن وجهة نظرى المتواضعة، فإن رفع العلم المصرى فى استادات كندا والمكسيك والولايات المتحدة له أهمية وعائد ثقافى وسياسى واقتصادى أكبر وأهم من رفعه على مبنى الأمم المتحدة فى مدينة نيويورك، وهكذا الأمر بالنسبة لباقى الدول المشاركة.
الملاحظة الثانية لها علاقة بكرة القدم والاقتصاد بشكل عام، وعملية التنمية بشكل خاص. نرى كثيرين يتندرون على أن الاهتمام بكرة القدم، سواء على المستوى الشعبى أو السياسى، ليس إلا ظاهرة فى الدول التى يصفونها بالتخلف. والحقيقة أننى لا أعرف مصدر هذه المعلومة المغلوطة التى يرددها بعض المثقفين فى عالمنا العربى. فالاهتمام الشعبى والحكومى بكرة القدم موجود فى الدول المتقدمة قبل النامية. بل يمكن القول، بلا مبالغة، إن تنظيم الأحداث الرياضية الكبرى، وفى مقدمتها كأس العالم، كان ولا يزال واحدًا من أهم أدوات التنمية عالميًا. حدث هذا فى اليابان، وفى كوريا، وفى روسيا، وفى البرازيل، وفى جنوب إفريقيا، وفى الأرجنتين، لأن تنظيم مثل هذه الأحداث يتطلب إدارة رفيعة لعمليات بناء وتحسين البنية التحتية، من ملاعب تدريب واستادات رسمية تشهد المباريات، إلى فنادق ومطاعم ومنشآت ترفيهية وخدمية، بالإضافة، بالطبع، إلى تطوير منظومة الأمن الداخلى، وكلها أمور ترتبط ارتباطًا وثيقًا بعملية التنمية. فلماذا نتعمد المغالطات ونضع التنمية والتقدم فى كفة، وكرة القدم فى كفة أخرى؟ هذا فصل تعسفى وغير منطقى، ولا يؤيده التاريخ.
• • •
الملاحظة الثالثة لها علاقة بكرة القدم والدين، حيث يصر البعض، وفى حدود معرفتى، على وضع مقارنات ساذجة بين لعب الكرة أو مشاهدتها وبين إقامة الشعائر الدينية، وكأنهما نقيضان. بل ويذهب بعض المتطرفين فكريًا إلى درجة تحريم مشاهدة المباريات وفعاليات الكرة تحت حجج مختلفة، أغلبها واهية. نحن لم نُخلق لنقضى حياتنا كلها فى العبادة بمعناها الضيق فقط، ولا يصح أصلًا أن نضع هذه المقارنة بين الله وبين كرة القدم أو غيرها من متع الحياة المشروعة. مشاهدة الكرة ليست حرامًا فى حد ذاتها، وليست مضيعة للوقت إذا بقيت فى حدودها الطبيعية، فهى مساحة للفرح، وللتعارف، وللرياضة، ولتخفيف ضغوط الحياة. وكما أن الإنسان يعمل ويتعلم ويسافر ويضحك ويأكل ويحب أهله وأصدقاءه، فمن حقه أيضًا أن يشاهد مباراة فى كرة القدم، وأن يحتفى بهدف، وأن يحزن للهزيمة، من غير أن يأتى من يجلده أخلاقيًا أو دينيًا بلا سبب.
الملاحظة الرابعة تتعلق بمحمد صلاح والقوة الناعمة لمصر. فى مباراة فانكوفر لم يكن المشهد مصريًا فقط، فقد رأيت كنديين، وأمريكيين، وعربًا، وأفارقة يشجعون مصر بسبب صلاح. بعضهم كان يرتدى قميص المنتخب المصرى رقم ١٠، وبعضهم كان يرتدى قميص صلاح فى ليفربول رقم ١١. هنا نفهم ببساطة معنى القوة الناعمة. لا تحتاج إلى مؤتمر كبير، ولا بيان رسمى، لكى تقنع الناس بأن بلدًا ما يستحق الاحترام، أو الاهتمام، أو الاحتفاء، أو الزيارة. أحيانًا يفعل ذلك لاعب كرة قدم واحد، بموهبته وسلوكه واحترام الناس له.
محمد صلاح لم يمنح مصر أهدافًا فقط، بل منحها صورة إنسانية ومسحة عالمية: لاعب مصرى، عربى، مسلم، ناجح، محبوب، ومنضبط، يعرفه الناس فى أوروبا، وأمريكا، وآسيا، وإفريقيا. وهذه قيمة لا تُشترى بسهولة، ولا ينبغى الاستهانة بها.
الملاحظة الخامسة عن المصريين فى الخارج. ما جرى فى المدرجات خلال مباريات مصر الثلاث، وما سيجرى خلال المباراة الرابعة أمام أستراليا الأسبوع القادم، يجب ألا يمر كأنه مجرد تشجيع عابر. المصريون فى الخارج قوة مبهرة، ومؤثرة ثقافيًا، ومجتمعيًا، واقتصاديًا. هم ليسوا مجرد تحويلات مالية، ولا أرقامًا فى سجلات القنصليات، ولا جمهورًا يتم استدعاؤه فقط وقت الحاجة. هؤلاء ناس يحملون مصر معهم فى الغربة، بلهجتهم، وأغانيهم، وذكرياتهم، وحنينهم، وأحيانًا بغضبهم أيضًا. ومن الذكاء أن تتعامل الدولة المصرية معهم كطاقة استثمارية طويلة المدى، لا كجيب مفتوح للرسوم العابرة أو إجراءات مرهقة. المطلوب أن نستفيد من هذه القوة فى السياحة، وفى الاستثمار، والتعليم، والثقافة، وفى تحسين الصورة العامة والحضارية لمصر، لا أن نضغط عليهم بإجراءات لا تضيف شيئًا حقيقيًا لمصر.
• • •
بعد هذه الملاحظات الخمس، أتمنى يومًا ما أن تنجح مصر فى تنظيم كأس العالم. أعرف أن الأمر ليس سهلًا، وأنه يحتاج إلى اقتصاد أقوى، وإدارة أكثر كفاءة، وبنية تحتية ضخمة، وتخطيط طويل الأجل. مصر بلد كبير يملك التاريخ، والموقع، والبشر، والشغف بكرة القدم، ويملك أيضًا بنية تحتية حقيقية. ومصر تملك من المقومات الثقافية والإنسانية ما يؤهلها لذلك، لكن الأمر يحتاج إلى تخطيط ودراسة عملية وعلمية، بالإضافة، بالطبع، إلى آلة دعائية لها تأثير داخل الفيفا.
فى النهاية، لا أريد أن أحمل كرة القدم أكثر مما تحتمل. هى فى النهاية لعبة، لكنها أحيانًا تقول ما لا تقوله السياسة. تقول إن الناس تريد أن تفرح. تقول إن المصريين فى الخارج لم يقطعوا علاقتهم ببلدهم، من كل الأعمار، بما فيهم تلك الأجيال التى وُلدت ونشأت فى الخارج. مبروك لمصر هذا الإنجاز، ومبروك لصلاح، وللاعبين، ولحسام حسن، وللمصريين فى الداخل والخارج. والآن أمامنا أستراليا، مباراة صعبة بالتأكيد، لكن بعد ما رأيناه من مفاجآت فى هذه البطولة، من حقنا أن نحلم بأن نكمل هذا المشوار.
أستاذ مشارك العلاقات الدولية، والمدير المشارك لمركز دراسات الشرق الأوسط بجامعة دنفر