من الذى قتل منى سالم؟

داليا شمس
داليا شمس

آخر تحديث: السبت 27 يونيو 2026 - 7:25 م بتوقيت القاهرة

فى كل مرة كانت تسوقنى المصادفة إلى الإسكندرية وأتجول بين معالم وسط المدينة فى إطار ندوة أو فاعلية تتعلق ببقايا الكوزموبوليتانية، وجدت شخصيات تعيدنى سنوات إلى الوراء. هم مزيج فريد من التناغم بين الثقافات والأجناس، إذ تنوع السكان من يونانيين وشوام إلى أرمن وإيطاليين وشركس وما غير ذلك من جنسيات اختلط تاريخها الشخصى بالأحداث العامة... بعض هؤلاء ما زالوا حاضرين وإن تناقص عددهم، يلتقون فيما بينهم ويتحدثون فرنسية لها رنين خاص بهم مثلما جرت العادة. وجوه سكندرية لا يمكن أن تلتقيها فى مكان آخر ملهمة جدا لأى كاتب، لذا كنت دوما أردد أن هؤلاء شخوص روايات تتحرك على قدمين وينتظرون من يكتبهم. التقط الدبلوماسى الفرنسى السابق والمثقف الكبير- جيل جوتييه - فكرة أنهم شخصيات تبحث عن مؤلف وقرر أن يسجل حكاياتهم فى رواية اختار لها طابعا بوليسيا، لكنها تتعدى ذلك بكثير، فهى توثق حياة شريحة من المجتمع وكل ما مربها من وقائع بطريقة مشوقة. وأخيرا نشر رواية «سيدة الإسكندرية» التى صدرت الشهر الماضى عن دار «ريف نوف»، وأضاف عنوانا جانبيا «من الذى قتل منى سالم؟»، وقد جاء هذا الترتيب لأسباب تسويقية فوجود اسم مدينة الإسكندر على الغلاف كفيل وحده بجذب القراء.


تعرف جيل جوتييه على شخصيات روايته حين عمل قنصلا عاما لفرنسا بالإسكندرية فى الفترة من 1999 إلى 2003، فالرجل الشغوف المحب للسفر والترحال منذ أن ترك قريته الصغيرة فى الجنوب الفرنسى وهو فى الثامنة عشرة من عمره انطلق من مهمة إلى أخرى فى العالم العربى وحوض البحر الأبيض المتوسط. اشتغل كمدرس أحيانا قبل التحاقه بالدبلوماسية واعتلائه أرفع مناصبها، ثم بعد وصوله لسن المعاش عام 2009 تفرغ للترجمة والكتابة، وركز على دوره كناقل للثقافة والفكر بين ضفتى المتوسط بشكل مختلف، وهو مولع بمصر وأهلها ويقضى بها بعض أوقات السنة.


• • •
فى روايته الأحدث يرسم شخصية منى دى سالم. والدها الكونت عزيز سالم حصل على لقب شرفى وصار من النبلاء وأصحاب الجاه والسلطان قبل أن يتم مصادرة أمواله وممتلكاته بسبب قرارات التأميم تحت حكم عبد الناصر عام 1961. لم يرغب الأب ذو الأصول الشامية، الذى أتت عائلته إلى مصر عام 1860 وكونت ثروتها، فى مغادرة البلاد وكذلك منى ابنته الوحيدة التى عاشت فى الإسكندرية حتى عُثِر عليها مقتولة فى شقتها وهى فى سن التسعين، مثلما جاء فى الرواية. الشخصية مستلهمة من الواقع كما يذكر المؤلف بوضوح حين يقول: «هذا الكتاب يروى قصتها، لكنه أيضا حكاية مدينة ربطتنى بها سنوات عشق، هى الإسكندرية فى بر مصر بكل ما مر بها من أحداث ومجريات، أما الباقى فهو رواية من نسج الخيال». يغير المؤلف بعض الأسماء والتفاصيل، يترفق بشخوصه فقد خالطهم وأحبهم، وكل ما أراده هو تخليد ذكراهم على صفحات عمل أدبى رفيع يليق بهم. وهو ما قد كان، فلم يحاول العمل على تجميلهم أو تقديمهم بصورة مثالية، ولم يرسم صورة كاريكاتورية عن «مجتمع النصف فى المائة»، بل غاص فى داخله وقدم تحليلا وافيا لأحساسيهم وتناقضاتهم. على سبيل المثال أبرز شعورهم بالانتماء لمصر ورفضهم أن يرحلوا عنها، كما هو الحال بالنسبة لشخصية منى سالم، رغم الشك والريبة التى كانت تحيط بهم مع اندلاع الحروب المتعاقبة والأزمات، ففى كثير من الأحيان كان ينظر إليهم بوصفهم جواسيس وعملاء للغرب. العديد منهم استنكر العدوان الثلاثى على مصر وثار ثورة عارمة عليه وعلى غيره من الأمور التى أضرت بالبلاد، وفى ذات الوقت تبرز من وقت لآخر ثنائية «نحن وهم».. يتحدثون عن الشعب المصرى اللطيف الطيب وكأنهم ليسوا جزءا منه وتظهر بعض الكلمات والتصرفات التى تشير إلى شىء من العنصرية الطبقية.


• • •
حاول جيل جوتييه أيضا ألا يقع فى براثن الحنين الجارف لمرحلة آسرة من تاريخ المدينة، وحاول تخطيها والوصول بنا إلى مصر المعاصرة أيام مبارك وثورة يناير، حتى لا يحبسها ويحبسنا فى نوستالجيا موجعة لا معنى لها، فالمدينة تتكيف وكذلك سكانها، تكبر الشخصيات ويتغير شكل إكسندريتهم، ونحن نواكب معهم كل هذه المستجدات ونراها بأعينهم. نرى مثلا تطور العجمى من مكان هرب إليه الأغنياء والأرستقراطيون إلى حى شعبى رفضت منى سالم وبعض أصحابها أن يتركوه، فاحتفظوا ببيوتهم هناك فى حين اتجه آخرون من أبناء الطبقة نفسها للساحل الشمالى. يصف جوتييه معالم المدينة بشكل دقيق، أراد أن يوثق تاريخ الأماكن التى أحبها مثل النادى السورى وفندق متروبول ومطعم تريانون ومقهى البورصة التجارية.. رغما عنه وعنا نشعر بشىء من النوستالجيا لمجرد التجول بين هذه المناطق بصحبة أشخاص من زمن ولى وفات، فيعود بنا المؤلف إلى الواقع الاجتماعى والسياسى مجددا، وهو ما نجح فيه بسبب طريقة بناء الرواية التى تتكون من 42 فصلا، تبدأ بحادثة مقتل منى سالم فى سبتمبر 2002 ثم تتلاحق الأحداث على النحو التالى: فصل يتابع مجريات التحقيق عام 2002 وآخر يتعرض لأمور من الماضى تشرح الواقع وتبرره، أى يتناوب الماضى والحاضر من خلال اعتماده منطق ازدواجية البعد الزمنى، فصل حديث وآخر يعود بنا إلى الوراء ليشرح ما ألم بالشخصيات والبلاد منذ يونيو 1945 وحتى ثورة يناير 2011، إذ ماتت «سيدة الإسكندرية» لكن ظل التحقيق مستمرا لسنوات.


نشهد وقائع تفكك بعض العائلات الكبرى التى يذكرها بالأسماء ورحيل الكثير من الأجانب وأبناء الجالية اليهودية. نشعر أننا بصدد نهاية عالم أو انطواء مرحلة بوفاة «سيدة الإسكندرية» الأنيقة. نلاحظ اندماج بعض أبناء الطبقة المعنية فى المجتمع من خلال عمل بعضهم فى مجال البيزنس أو الدراسات الأكاديمية، فى حين قرر آخرون العزوف والاستمرار فى العيش داخل دوائر شبه مغلقة. ننسى أحيانا أننا بصدد رواية بوليسية ويتصدر الصورة التاريخ الاجتماعى والسياسى للمدينة، وتصبح الحبكة البوليسية مجرد وسيلة لاستعراض الأحداث وإنعاش اهتمام القارئ. لكننا نكتشف فى النهاية شخصية القاتل ودوافعه، إذ ارتبطت هذه الجريمة بأخرى سبقتها بسنوات، وبحسب الكاتب فقد حدثت هذه الأخيرة بالفعل.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2026 ShoroukNews. All rights reserved