سفر الأحلام

رباب نبهان
رباب نبهان

آخر تحديث: الإثنين 27 يوليه 2026 - 6:50 م بتوقيت القاهرة

اتفقنا سويًا ألّا ينتظر حتى الصباح، وأن ركوب القطار فى ليلٍ هادئ يمنح صوت القطار فرصةً لأن يشدو منفردًا بلا زحام.
قطار، وسكة طويلة، وشتاء باتت لياليه لا تغادرها زخات المطر.
لا شىء ينقصك حتى تقضى ليلةً لا تُنسى، ومن ينسى ليالى السفر؟


• • •
ظللت أوصيه على نفسه حتى ظن أننى قد تراجعت عن موقفى، وحجزت المقعد الذى يلامس كتفيه..
فغر فمه، ولم ينطقها، ولكن الدموع التى أطلت على أعتاب مقلتيه قالت الأكثر إيلامًا، ونداءً، ورجاءً:
«أن نبقى».


• • •
ترجيتك أن ترحل بلا وداع، طلبت منك أن تخدعنى؛ أن تغفو عينى، وتصحو على صوت الباب وأنت توصده خلفك بكل حزمٍ وقسوة، ولن يخفق قلبى وراءك، ولن أزيح غطائى عنى، ولن أنظر إلى عقارب الساعة، بل سوف أوقفها، وربما أدغدغها قبل أن يسترد الباب طرفه.
أعلم أنك قد تصب علىَّ اللعنات، وربما الدعوات، وكم من التهم والشتائم قد أسمع أو لا أسمع، ولن أبالى.
أنا بالفعل قاسية، فظة القلب، ومنزوعة الإحساس.. هل هذا يرضيك كى ترحل عنى صامتًا؟


• • •
تعلمت أنا القسوة، وتعلمت أنت كيف تقلب الطاولة ببراعة، وفى كل مرة يدور بيننا نفس الجدال، ونفس الأسئلة، ونفس الاتهامات أيضًا، ولا فائدة من حديثٍ قد حُسمت نهايته قبل أن يبدأ.


• • •
ما فائدة أن أكون أنا الجانية، أنا الخائنة، أنا التى منحتك كل الوعود ولم أفِ بأىٍّ منها؟ هل تريد شهادةً منى بذلك؟ أتحب أن أمنحك سيرةً ذاتيةً تتغنى بجمالك، وبسماء طموحاتك؟
لا مانع لدىَّ أن أفعل، ليس ضعفًا أو استجابةً منى لمحاولات ابتزازك العاطفى. أنا وأنت نعلم كم من المرات قد خضعت لهذا الابتزاز، وكم نجحت أنت، وكم انهرتُ أنا أمامك وركعت.


• • •
أتحب أن أبشرك؟ لقد اكتسبت صفة «بطلة» جديدة.. لقد تعلمت التخلى، وها أنا اليوم أمارسه وأتخلى عنك.. لذا.. ارحل.. أرجوك، ارحل.
آه.. انتظر.
خذ معك مظلة المطر.. تبدو السماء كريمةً فى عطائها الليلة، والأبواب مفتوحة، وربما الدعاء مجاب.
أتمنى لك سكنًا جديدًا هانئًا، هادئًا، فسيحًا، وكبيرًا، متعدد الطوابق، يتحمل، ويفى، ويكفى، ويتسع لك.


• • •
أنت لا تستحق سوى تلك الأرض الواسعة الرحبة.. جرداء كانت أو خصبة، أنت لها.. على يديك سوف تزدهر وتُثمر، ولكن أرجوك أن تحذرها قبل أن تفرش لك الورد، وتعدك بألف وعد.
أخبرها أن الأقدار ربما تعبث بنا وبأحلامنا، ولكننا لم نسمح يومًا للأقدام أن تغتال بذورنا.


• • •
تركتُه واستدرت، ولم أسمع صوت خطاه، فتلكأت فى خُطاي، وقبل أن يختفى أثرى سمعته ينادى اسمى، فأسرعت، ورجعت فى التو واللحظة.
سألنى:
• هل يوجد فراق بلا وداع؟
• آه… كم كنت أتمنى.
• وهل يوجد وداع بلا عناق؟
• كم ما زلت أتمنى.
فتعانقنا، وطال العناق حتى جاء صفير القطار، ولم يتبين منا من المُوَدِّع، ومن المُوَدَّع.


• • •
رجوته، وأنا ما زلت متشبثةً بيده: «لا تنسَ أن تكتب لى.. طمئنِّى حين تصل.. أخبرنى حين تجد ملاذًا يناسبك، حين تحط فى نفسٍ تستطيع أن تكفلك».
لا تنظر إلىَّ هكذا، أنا لا أناقض نفسى، ولم أتراجع عن موقفى.. خُلقت أنت كى تترعرع فروعك خارج الأسوار.. خُلقت حلمًا بكرًا صغيرًا، ولكن سرعان ما اشتد عودك، وبك فرحت، ولم ينحنِ ظهرى إلا بك.


• • •
أنا لم أخذلك، ولم أتخلَّ عنك بخاطرى.. لا تلمنى.. اعتقدت أننى قد أتممت مهمتى حين اشتريت لك قفصًا أكبر حتى تحلق فى براحه، وأدركت أننى مخطئة حين سمعت صوت ارتطام جناحيك بأسواره.


• • •
يمزقنى شوقى من قبل أن أفارقك، ولكننى أخشى عليك، ولن أكون أحن من أم موسى حين ألقت به إلى اليم.. ألقيت بك وأنا أعرف أن غيرى سوف يتلقفك، ويحسن استقبالك، ويرعاك أفضل منى، ويقدر، وهذا هو الأهم، أن يقدرك؛ فأنت حلم كبير المنى، والخطى، والملامح، وعزائى أنه لن يقدر عليك أحد.. ومن يدرى، فربما تجود علينا أقدارنا، وتعود.. وتقر عينى برؤيتك.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2026 ShoroukNews. All rights reserved