إسرائيل وحروبها المستمرة
ناصيف حتى
آخر تحديث:
الإثنين 27 يوليه 2026 - 6:45 م
بتوقيت القاهرة
يبدو أن بنيامين نتنياهو، رئيس وزراء إسرائيل آخذ فى التصعيد فى حروبه الثلاث (لبنان والضفة الغربية وغزة) ولو أن كلا منها يتخذ مسارا عسكريا وسياسيا مختلفا عن الآخر، من حيث الأهداف المعلنة رسميا وتلك غير المعلنة ولو أنها غير خفية لمن يتابع طبيعة الخطاب الحامل لتلك الأهداف. التوقيت بالطبع يرتبط بشكل مباشر فى «حربه الانتخابية» بانتظار ساعة الحسم فى موعد الانتخابات نهاية شهر أكتوبر القادم. فبقدر ما يكون الخطاب معبرا عن أهداف اليمين المتشدد، الدينى والسياسى، الحاكم والمهيمن فى إسرائيل بأطرافه ومكوناته المختلفة تنظيميا وعقائديا فى إطار التشدد ذاته، بقدر ما يساهم فى الدفع نحو عودة نتنياهو على رأس الليكود إلى السلطة. خطاب يقوم على إلغاء الآخر هوية وطنية وحقوقا شرعية تستند إلى التاريخ وإلى القوانين والأعراف والقرارات الدولية ذات الصلة. أصولية دينية وأخرى استراتيجية تحكم السياسة الإسرائيلية فى لعبة تحالفات داخلية متغيرة تخضع للاعتبارات السياسية «التقليدية» ولموازين القوى بين هذه الأطراف فى لحظة معينة. يشجع على ذلك بالطبع غياب أى رادع دولى فاعل وذى مصداقية يوقف هذا التوجه فى المجتمع الإسرائيلى.
فى غزة يتم التوسيع تدريجى «للخط الأصفر»: تضيق الجغرافيا ويزداد الثقل الديمغرافى ليشكل حالة ضاغطة على الأرض ومتفجرة وبالتالى طاردة للسكان مع الوقت. الأمر ذاته ازداد فى الضفة الغربية حيث تتسارع وتتوسع عملية تهويد الجغرافيا والديمغرافيا (من خلال تشجيع الاستيطان المحاصر والخالق لأوضاع طاردة للسكان أيضا مع الوقت)، مع ما لذلك من مخاوف وتداعيات إذا ما استمرت على دول الجوار المباشر والأبعد. فى لبنان الذى كان دائما ساحة صراع وحروب للآخرين أيا كانت العناوين لهذه الحروب، دون أن نعفى اللبنانيين من إسهامهم بشكل أو بآخر فى هذه الحروب. هذا مع التأكيد، أو التذكير بالنسبة للبعض، أن إسرائيل كانت وتبقى دولة عدوة ومصدر خطر كبير على لبنان. لكن ذلك لا ينفى إسهام أطراف كثيرة فى أوقات مختلفة ولأهداف وتحت عناوين مختلفة فى إشعال أو تسخين «الجبهة اللبنانية». استراتيجيات كبرى لقوى إقليمية، ومعها قوى دولية، حاملة أو معبرة عن عقائد أو سياسات جذابة لمكونات سياسية متعددة فى مراحل مختلفة ساهمت فى جعل لبنان صندوق بريد لتبادل «الرسائل السياسية» ولعبة النفوذ فى المنطقة. الضعف أو الشلل أو الغياب الذى اتسم به دور الدولة فى المجال الأهم فى الأمن الوطنى الذى هو أساسا من مسئولياتها الرئيسية (قرار الحرب والسلم) أدى إلى جعل لبنان لسنوات طويلة «يقوم» بدور صندوق البريد لصراعات النفوذ فى الإقليم. وكما نذكر دائما يتغير اللاعبون ولا تتغير اللعبة.
إسرائيل اليوم ترفض احترام قرار وقف إطلاق النار وذلك منذ الاتفاق الذى تم التوصل إليه فى نوفمبر ٢٠٢٤. وما زال الموقف الإسرائيلى ذاته كما نرى نتائجه كل يوم على الأرض. يستمر ذلك، رغم التوصل إلى الاتفاق الإطارى التى لعبت واشنطن الدور الرئيسى فى بلورته، وثم رعاية الولايات المتحدة الأمريكية للمفاوضات المباشرة التى انطلقت فى واشنطن قبل أن تنتقل إلى روما. أيا كانت مواقف هذا الطرف أو ذاك فيما يتعلق بالمفاوضات المباشرة أو فيما يتعلق بتحسين شروط المفاوضات المباشرة وكيفية إدارتها، يجب الانكباب على توظيف الأوراق التى يمكن توفيرها لتعزيز الموقف اللبنانى. الموقف الذى يهدف أساسا «للعودة إلى الدولة» من حيث مسئولياتها الكلية ومهامها ودورها فى كل ما يتعلق بالأمن الوطنى، والانتهاء من لعبة التسويات أو التفاهمات المؤقتة. التفاهمات التى تؤدى إلى وقف إطلاق النار أو إلى هدن تبقى مؤقتة، أو إلى خفض وتقييد أو تجميد الصراع العسكري، تنتهى بانتهاء دورها ووظيفتها بالنسبة لأى من الأطراف المتواجهة والممسكة بالوضع على الأرض، والأمثلة على ذلك كثيرة منذ تفاهم نيسان (١٩٩٦) قبل التحرير والتفاهمات غير المكتوبة بعد حرب تموز ٢٠٠٦ والتى سقطت مع حرب إسناد غزة.
إن الخروج من منطق التسويات المؤقتة أيا كان مدى حياتها يمر أولا بإعطاء مصداقية للمفاوضات فى بداياتها. يكون ذلك عبر احترام إسرائيل كليا لوقف إطلاق النار والتوقف منذ اليوم الأول كما نشهد عن إغراق مسار المناطق التجريبية أو النموذجية فى «الرمال المتحركة» للشروط والتعقيدات المتزايدة لما يفترض أن يكون انسحابا تدريجيا مقابل انتشار تدريجى للجيش اللبنانى. لعبة الوقت والعمل على خلق واقع جديد على الأرض ورفع سقف الشروط التعجيزية التى تكررها إسرائيل كلاما وفعلا لن تساعد فى انطلاقة فعلية وفعالة للمفاوضات.
المطلوب من الشريك والراعي، والبعض يقول المهندس الأمريكى للمفاوضات، أن يتخذ موقفا حازما من خلال الضغط على إسرائيل لاحترام وقف إطلاق النار كليا أو تحديدا لوقف حربها المستمرة والبدء بمسار الانسحاب الكلى وليس الجزئى أو الانتقائى لإسرائيل، وتوفير المساعدات العسكرية والأكثر من ضرورية لسيطرة الجيش كليا على المنطقة الممتدة من جنوب الليطانى إلى الحدود الدولية للبنان (خط الهدنة أولا كما لحظته اتفاقية الهدنة عام ١٩٤٩ والتى لا تملك إسرائيل حق إسقاطها) وبالتالى «تثبيت» الحدود اللبنانية مع إسرائيل التى هى الحدود الدولية للبنان التى رسمت مع فلسطين عام ١٩٢٣.
هنالك دور كثر من ضرورى لواشنطن بشكل خاص كونها المهندس الأساسى للمسار التفاوضى الذى ترعاه، وللدول الصديقة للبنان وتلك أيضا المعنية بالاستقرار فى المنطقة عبر هذه «البؤرة الساخنة» والجاهزة دائما للانفجار، للدفع بهذا الاتجاه وإنجاحه. يكون ذلك عبر الضغط المباشر على إسرائيل، وواشنطن أساسا، وغيرها من العواصم الدولية، تملك أوراقا كثيرة لتوظيفها فى هذا المجال الذى هو لمصلحة الاستقرار ليس فقط على صعيد الجبهة اللبنانية الإسرائيلية بل على المستوى الإقليمى أيضا.
وزير خارجية لبنان الأسبق