ثورة يوليو وشهادة أبى
مدحت نافع
آخر تحديث:
الإثنين 27 يوليه 2026 - 6:45 م
بتوقيت القاهرة
كلما اقتربت ذكرى الثالث والعشرين من يوليو، يعود الجدل القديم: هل كانت الثورة ضرورة تاريخية أم بداية لمسار انتهى إلى احتكار السياسة؟ وغالبًا ما يدور هذا الجدل بين أنصار الثورة وخصومها، بينما تغيب عنه شهادات رجال كانوا فى قلب الحدث، لا يكتبون دفاعًا عن أحد ولا خصومة مع أحد، وإنما يروون ما عاينوه بأنفسهم.
ومن بين تلك الشهادات، تظل شهادة والدى، اللواء أنور نافع، رحمه الله، التى سجلها الكاتب فاروق جويدة فى كتابه «من يكتب تاريخ ثورة يوليو؟.. القضية والشهادات»، وثيقةً تستحق أن تُقرأ بهدوء. فهى لا تتناول ما جرى بعد أن استقرت السلطة، وإنما تعود إلى الأسابيع الأولى للثورة، حين لم يكن الطريق قد تحدد بعد، وكانت احتمالات المستقبل لا تزال مفتوحة.
• • •
يبدأ والدى شهادته برسالة بعث بها إلى الأستاذ فاروق جويدة، يقول فيها إنه أسهم فى بعض الوقائع قبل قيام حركة الجيش وبعدها، وإنه يروى بعض فصول «المحاولة الرسمية الأخيرة والفاصلة فى اتصال القيادة العامة بحزب الأغلبية، الوفد». وهى عبارة تكفى وحدها لإدراك أهمية ما سيأتى بعدها.
ويضيف أن المقربين من قيادة حركة الجيش كانوا يعلمون أن الضباط الأحرار، برئاسة اللواء أركان حرب محمد نجيب، لم يكونوا ينوون التصدى لحكم البلاد، وإنما كانوا يسعون إلى تكوين قاعدة شعبية يمكن أن تكون أساسًا لحكومة منتخبة، حتى إن الحركة رفعت شعارًا بالغ الدلالة هو: «جئنا نحمى الدستور». ويذكر أن لقاءات جرت بالفعل مع جماعة الإخوان المسلمين، كما جرت لقاءات مع بعض أقطاب حزب الوفد، لكنها لم تسفر عن تفاهم واضح، إذ لم يكن أى من الطرفين قد استوعب بعد ما يريده الآخر.
ومع تصاعد الخلافات بين قيادة الثورة وحكومة على ماهر، خاصة بعد الجدل الذى أثاره مشروع قانون الإصلاح الزراعى، بدأت تتبلور محاولة أكثر جدية لفتح حوار مع حزب الوفد. وهنا يبدأ دور والدى.
فقد طلب منه المرحومان سليم أبو العلا بك وأحمد بك الحضرى، عضوا مجلس النواب عن حزب الوفد، ترتيب لقاء مع الصاغ عبد الحكيم عامر. ورحب عامر بالفكرة، واستقبل الرجلين فى مكتبه بالقيادة العامة، بحضور قائد الجناح حسن إبراهيم، الذى اكتفى بالاستماع دون أن يشارك فى الحديث. واستمر اللقاء نحو ساعة ونصف، قبل أن يطلب عبد الحكيم عامر من والدى أن يعرض ما دار على البكباشى جمال عبد الناصر.
• • •
فى صباح اليوم التالى، قصد والدى مكتب جمال عبد الناصر، فوجده مطلعًا على تفاصيل الاجتماع. ثم أملى عليه مضمون التبليغ الذى سيُنقل إلى قيادة الوفد، وكان جوهره أن قيادة الثورة تنظر إلى النحاس باشا باعتباره رمزًا وطنيًا، لكنها ترى، فى الوقت نفسه، ضرورة أن يجرى الوفد مراجعة داخلية لبعض أوضاعه، وأن يعزز قواعده الديمقراطية فى انتخاب رئيسه وسكرتيره، مع الترحيب بعبد السلام فهمى جمعة باشا بوصفه الشخصية التى يمكن أن تستكمل الحوار مع القيادة.
وأثناء إملاء جمال عبد الناصر لهذه السطور، دخل مستأذنًا البكباشى محمد أنور السادات، وقال: «هل أدخل؟» فأذن له عبد الناصر، وجلس إلى جواره، ثم طرح سؤالًا بدا بسيطًا، لكنه يلخص ما كان يدور بخلد بعض أبرز رجال مجلس القيادة، فقال: «وإذا رفض الوفد هذه المطالب؟» فابتسم جمال عبد الناصر وقال: «غالبًا.» وهنا تدخل والدى قائلًا:
«ولا حاجة.. يظل الموقف كما هو الآن، وليس أسوأ».
لا أظن أن هذا الحوار القصير يحتاج إلى تعليق. فهو يعكس أن باب الحوار كان لا يزال مفتوحًا، وأن بعض من شاركوا فى تلك المحاولة كانوا يرون أن مجرد السعى إلى التفاهم مكسب فى حد ذاته، حتى لو انتهى إلى الفشل.
وبالفعل، صحب والدى المحامى أحمد بك الحضرى إلى طنطا، ومنها إلى صناديد، حيث استقبلهما عبد السلام فهمى جمعة باشا فى عزبته استقبالًا كريمًا. وبعد دقائق تلقى اتصالًا هاتفيًا من النحاس باشا، الذى كان بالإسكندرية، فأطلعه على رسالة القيادة، ثم أبلغ والدى بأن الرد سيصل لاحقًا.
عاد والدى إلى القاهرة، ليجد أن جمال عبد الناصر كان قد أرسل اليوزباشى محمد عبد المحسن سليم إلى منزله برسالة عاجلة يطلب فيها ألا يذهب فى المهمة التى كُلِّف بها، لكن الرسول لم يجده، لأنه كان قد سبق وأنجزها بالفعل. فارتبك، وتوجه فورًا إلى القيادة، حيث وجد جمال عبد الناصر يهم بالخروج، وخلفه الصاغ عبد الحكيم عامر. فسأله عن سبب إرسال محمد عبد المحسن، فرد عبد الناصر: «ولم يجدك؟» فأجابه: «لقد نجحت فى المأمورية». ويقول والدى إن ملامح الارتياح بدت على وجه عبد الناصر، ثم عرض عليه تفاصيل ما جرى.
وجاء رد النحاس باشا، كما يصفه والدى، ردًا سياسيًا غير مشجع. فلم يرفض الحوار، لكنه أكد أن الوفد قادر على تنظيم شئونه بنفسه، وأن الديمقراطية هى نهجه وسياسته، وهو ما عُدَّ اعتذارًا عن الاستجابة للمطالب التى حملها عبد السلام باشا جمعة. عندئذ انصرف جمال عبد الناصر إلى مكتب اللواء محمد نجيب، ثم عاد ليبلغ والدى أن اللواء نجيب وافق على دعوة عبد السلام باشا جمعة إلى القيادة، وأُلغيت، فى سبيل ذلك، مقابلة كانت محددة مع على ماهر باشا.
• • •
فى 20 أغسطس 1952، وصل عبد السلام فهمى جمعة باشا إلى القاهرة، وكان والدى فى استقباله بمحطة السكة الحديد، وهو الوصول الذى تصدر الصفحة الأولى من جريدة الأهرام فى اليوم نفسه. ثم توجه إلى مقر القيادة، حيث عقد اجتماعًا استمر أكثر من ساعتين ونصف مع اللواء محمد نجيب وسائر أعضاء مجلس قيادة الثورة. لكن تلك المحاولة انتهت كما انتهت سابقاتها.
ويختم والدى شهادته بعبارة تختصر تاريخًا كاملًا:
«وهكذا جاء ختام محاولات الاتصال بحزب الوفد، ولم يسفر عما نهدف إليه، ولو تحقق الاتفاق والتفاهم لتغير تاريخ مصر الحديث».
ولعل قيمة هذه الشهادة أنها لا تقف وحدها. فهى تتقاطع مع ما كتبه سليمان بك حافظ، نائب رئيس مجلس الدولة وأحد أبرز مهندسى انتقال السلطة عقب الثورة، حين أقر فى مذكراته «ذكرياتى عن الثورة» بأن الوفد كان يمثل القوة السياسية الأكبر، وأن التفكير داخل دوائر الثورة كان يتجه إلى تحجيم نفوذه وإعادة تشكيل الخريطة الحزبية. والأهم من ذلك أن سليمان حافظ نفسه عاد بعد سنوات ليسجل مراجعة قاسية لما آلت إليه التجربة، متحدثًا عن انطفاء روح الحرية، ورواج النفاق، وتراجع القيم التى رفعتها الثورة فى بداياتها.
أما والدى، فلم يكن موقفه من الديمقراطية وليد أزمة مارس 1954، بل كان امتدادًا طبيعيًا لما آمن به منذ الأيام الأولى. ولذلك، عندما احتدم الخلاف داخل مجلس قيادة الثورة، انحاز أبى إلى اللواء محمد نجيب، الذى اجتمعت له الرئاسات الثلاث فى فترة دقيقة من عمر البلاد (رئاسة الجمهورية، ورئاسة مجلس الوزراء، ورئاسة مجلس قيادة الثورة)، وصار رمزًا للمطالبة بعودة الجيش إلى ثكناته واستئناف الحياة الدستورية والحزبية. ودفع أبى، كغيره، ثمن هذا الموقف بإقصائه من القوات المسلحة، قبل أن يرد الرئيس أنور السادات إليه اعتباره بعد سنوات، مانحًا إياه رتبة اللواء تكريمًا وإنصافًا.
إن أكثر ما يلفتنى فى شهادة أبى أنها لا تحمل مرارة شخصية، ولا تتضمن محاولة لإدانة أحد أو تمجيد أحد. إنها ببساطة تذكرنا بأن التاريخ لم يكن مكتوبًا سلفًا، وأن مصر وقفت فى صيف عام 1952 أمام أكثر من طريق. وربما كان الطريق الذى لم يُسلك هو ما قصده والدى حين كتب جملته الأخيرة، التى أراها من أصدق ما قيل عن تلك المرحلة: «ولو تحقق الاتفاق والتفاهم لتغير تاريخ مصر الحديث». فالتاريخ لا تصنعه الوقائع وحدها، بل تصنعه، وتكشف عن دقائقه أيضًا، الفرص الضائعة.
كاتب ومحلل اقتصادى