المصب المتألم وبداية لفهم التدهور

نبيل الهادي
نبيل الهادي

آخر تحديث: السبت 27 أغسطس 2022 - 8:37 م بتوقيت القاهرة

فى أكتوبر من العام الماضى بدأنا للمرة الثالثة خلال سبع سنوات عاما أكاديميا كاملا فى منطقة برج رشيد وما حولها نحاول أن نفهم المشكلات والتحديات المحلية بصورة أفضل، ولكننا أيضا نحاول تطوير المقترحات التى تهدف للتعامل مع تلك التحديات. تعلمنا من دراستنا السابقة خلال العامين الماضيين فى مدينة القصير وميت رهينة أهمية التعرف على الموئل الطبيعى الذى تقع المنطقة فيه، كما تعلمنا أهمية وعلاقة التاريخ الطبيعى بفهمنا ودراستنا الحالية. وقمنا بتطبيق ذلك على برج رشيد والذى يقع فى أقصى شمال منطقة مصب نهر النيل عند فرع رشيد.
لعمل ذلك استعنا بالخرائط التاريخية المتعددة لمنطقة برج رشيد منذ الحملة الفرنسية ثم الخرائط الموجودة فى بداية القرن ثم خريطة العام 1918، راجعنا أيضا أحد أدق الخرائط وهى الخريطة التى تم رسمها فى عام 1947 وتظهر بوضوح طبيعة المكان فى ذلك الوقت. كما تظهر بوضوح الصور الفضائية ابتداء من العام 1965 لشمال الدلتا طبيعة المنطقة بعد عامين من توقف فيضان النيل أثناء بناء السد العالى. وتضيف تلك الصور الفضائية أو كما يطلق عليها دارسو الجغرافيا المرئيات معلومات مفصلة عن التغيرات التى حدثت فى محيط برج رشيد والتى ساعدتنا فى فهم النظام الطبيعى الموجود حاليا، وكيف أنه يمثل نهاية سلسلة من التغيرات التى كان بعضها هائلا.
ليس لدينا بيانات دقيقة عن تأثير بناء القناطر الخيرية على منطقة برج رشيد ولا تأثير خزان أسوان وتعليته فى بداية القرن العشرين والذى لا شك أنه كان ذا تأثير ولكن ربما لدى وزارة الرى وأرشيفاتها ما يحتفظ لنا بمعلومات عن النقص فى المياه الواردة لبرج رشيد نتيجة تلك المشروعات الكبرى وما تلاها وتأثير ذلك أيضا على جودة المياه. كما أنه ليس لدى علم بوجود دراسة تاريخية شاملة تبدأ من عصر محمد على عن كمية وتوزيع الأراضى الزراعية التى تم استصلاحها (غالبا على حساب المناطق الطبيعية خاصة الأراضى الرطبة أو ما تسمى أحيانا مستنقعات) فى منطقة المصب حول برج رشيد وارتباط ذلك بالترع والمصارف التى تم شقها.
•••
يظهر من خلال الخرائط والتحاليل الأولى العديد من التغيرات بعضها يخص التراجع الكبير للغاية فى المساحات المائية سواء الدائمة أو الموسمية منها، كما تشير تلك الخرائط للتوسع الكبير فى الأراضى الزراعية وخاصة فى نهاية القرن العشرين وبدايات القرن الواحد والعشرين. يظهر أيضا أن الطرق والسكك الحديد التى تم شقها فى النصف الأول للقرن العشرين راعت إلى حد كبير التركيب البيئى الموجود بينما نرى الطريق الساحلى الدولى والذى تم شقه فى بداية القرن الواحد والعشرين اخترق فى أجزاء كبيرة منه الزراعات القائمة.
تظهر أيضا الخرائط وجود مساحات كبيرة من الصحراء فى منطقة رشيد ووجود السهل الساحلى الذى يمتد شمال غرب قرية البوصيلى ويتناقص فى العمق كلما اتجهنا غربا باتجاه الإسكندرية. ولكن هذا السهل الساحلى الهائل تحول فى معظمه إلى مناطق زراعية وخاصة فى تسعينيات القرن العشرين (ربما كان له بدايات فيما قبل ذلك) وبعد أن ظهر أن الأراضى تعانى من الملوحة الكبيرة أخذ المزارعون بنصيحة وضع طبقات من الرمال فوق الأراضى الزراعية لتقليل نسبة الملوحة تلك ولتنفيذ ذلك لجأ بعضهم للكثبان الرملية القريبة ونقلوا رمالها ليستخدموها فى حقولهم. وقد قام بعض من طلابى بعمل قياسات كمية تقريبية للمساحات التى تغير استخدامها وخاصة فى النطاق الإدارى لبرج رشيد.
• • •
فى غضون العقود القليلة بعد إتمام السد العالى فقد مصب النهر عند رشيد بضعة كيلومترات وبعد أن كان فنار رشيد على البر أمضى بعض الوقت مغمورا بالمياه إلى أن انتهى أمره تماما. كما تراجع شاطئ مصيف رشيد بعض المئات من الأمتار مما اضطر الدولة لبناء حائط بحرى خرسانى وآخر من الحجارة القاسية لحماية منطقة المصب وإلى الغرب منها.
كما قلت أعداد أسماك السردين التى كان يشتهر بها مصب النهر الذى كان ينعم بالمياه المختلطة بين العذبة والمالحة بصورة كبيرة للغاية خاصة بعد توقف إطلاق المياه العذبة تقريبا بصورة كاملة من قناطر إدفينا إلا فى بعض أوقات الضرورة عندما تكون مياه الفيضان زائدة عن المعدلات الطبيعية كما حدث العام الماضى مثلا.
• • •
لدينا بعض الدراسات الجغرافية التى تهتم أساسا بتغيرات خط الشاطئ ولكن لدينا القليل الذى يحكى عن التغيرات الكبرى فى الموائل الطبيعية وطبيعة الاقتصاد وعلاقة ذلك بتدخلات الأعمال الكبرى مثل سد أسوان أو القناطر القريبة مثل قناطر إدفينا أو تراجع مساحات البحيرات القريبة مثل بحيرة إدكو وبحيرة البرلس أو إزالة الكثبان الرملية أو تأثيرات أخرى كبيرة لم تتسبب فيها مشروعات الحكومة فقط ولكن بعضها كان من صنع التدخلات التى قام بها السكان المحليون. وبالرغم من أن معرفتنا لا زالت منقوصة وتحتاج بالتأكيد إلى المراجعة من خبراء آخرين إلا أننا لا نستطيع التوقف وانتظار نتائج تلك الدراسات التى نرجو أن تتم فى أقرب وقت وسنقوم بناء على ما تراكم لدينا من معارف وملاحظات مباشرة بطرح تساؤلات وافتراضات تمكننا من المضى قدما كما تسمح لنا بمراجعة وتطوير ما يبدو بحاجة لذلك.
ولأننا نعرف أن استجابة الكائنات والأنواع المختلفة تتغير طبقا للموائل الطبيعية وظروفها المحددة وأن هناك ارتباطا واضحا بين ما يحدث فى المكان وبين ازدهار أو تدهور الكائنات الطبيعية، كما أننا نعرف أن صحة تلك الموائل الطبيعية وما يعيش فيها وعليها من كائنات وتنوع تلك الكائنات وازدهارها هو السبب الرئيسى فى الحياة على الأرض بما يوفر لنا نحن البشر إمكانية العيش فى داخلها، فإنه لا مفر لنا من أن نتساءل عن مغزى التحولات التى شهدتها منطقة برج رشيد ومنطقة مصب النهر وارتباطها بباقى منظومة النهر. كما نتساءل عن تأثير غياب الإدراك بأهمية الموائل الطبيعية والتعامل معها كأنها أوعية صماء يمكنها أن تتحمل الطرق وأفعالا أخرى دون أن يكون لها رد. وحتى إن حدث ذلك فإننا نلجأ للخبراء وخاصة المهندسون الذين يعرفون من العلم ما يتخيلون به أنهم قادرون على ترويض تلك الطبيعة وحماية مصالحنا من «شرورها». كما نتساءل عن مصير سكان تلك المنطقة خاصة فى ضوء ما نعرفه عن تأثيرات التغيرات المحتملة للمناخ عالميا ومحليا على كل مناحى حياتهم تقريبا، وهل يمكننا أن نساعد فى إنقاذ هؤلاء البشر من مستقبل غامض.

خرائط للمراحل التاريخية الرئيسية منذ الحملة الفرنسية من عمل حمزة هجيرى و راجورام كاليامورثى

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2024 ShoroukNews. All rights reserved