الامتحانات.. أداة القياس أم آلية للفرز
حسام بدراوي
آخر تحديث:
الخميس 27 أغسطس 2026 - 12:25 ص
بتوقيت القاهرة
قرأتُ ترجمة لرؤية عالم الاجتماع الفرنسي بيير بورديو وجان-كلود باسرون “إعادة الإنتاج: في سبيل نظرية عامة لنسق التعليم” (La Reproduction)، وهو العمل الأساسي الذي طور فيه بورديو فكرة أن النظام التعليمي، بما فيه الامتحانات، يعيد إنتاج التفاوتات الاجتماعية بدلًا من تصحيحها، عبر ما أسماه “العنف الرمزي” و”رأس المال الثقافي”.
وجدتني متفقًا مع جوهر فلسفته، خصوصًا حين يكشف كيف يمكن لنظام يبدو محايدًا وعادلًا أن يعيد إنتاج التفاوت الاجتماعي، ثم يمنحه شهادة رسمية توحي بأنه نتيجة طبيعية لاجتهاد بعض الطلاب وكسل الآخرين.
فالامتحان، في صورته التقليدية، لا يقيس دائمًا الذكاء ولا القدرة على التعلم، بل قد يقيس مدى قرب الطالب من اللغة والثقافة وأساليب التفكير التي يفضلها واضعو النظام التعليمي.
الطفل الذي نشأ في بيت مليء بالكتب والحوار والأسئلة يدخل المدرسة ومعه رصيد ثقافي ولغوي سابق، بينما يدخلها طفل آخر لم تتح له البيئة نفسها. ثم يجلس الاثنان أمام الورقة ذاتها، في الزمن نفسه، ويُقال إن الفرصة بينهما متساوية.
لكن المساواة في ورقة الامتحان لا تعني بالضرورة العدالة.
فالعدالة ليست أن نقدم الاختبار نفسه للجميع، بل أن نتيح لكل طفل الوسائل التي تمكّنه من إظهار أفضل ما لديه. وإذا اختلفت نقطة البداية، فإن توحيد خط النهاية وقواعد الوصول إليها قد يتحول من مساواة شكلية إلى ظلم حقيقي.
إنني أنظر للامتحان ليس كاختبار للتلميذ وحده؛ بل هو اختبار للمدرس، وللمدرسة، وللمنهج، وللنظام التعليمي كله.
عندما يفشل عدد كبير من الأطفال، نسارع إلى اتهامهم بالتهاون والفشل ونتساءل لماذا لم يتعلموا؟ لكننا نادرًا ما نسأل المدرسة والمدرس لماذا لم تستطيعوا تعليمهم؟
الأصل أن كل طفل قادر على أن ينجح، إذا لم نحصر النجاح في تعريف واحد ضيق، وإذا اكتشفنا المدخل المناسب إلى قدراته.
وهذا لا يعني أن الأطفال متساوون في كل استعداداتهم، أو أنهم سيحققون النتائج نفسها؛ بل يعني أن لكل طفل مجالًا يمكن أن يتعلم ويتقدم ويبدع من خلاله.
مهمة التعليم ليست إثبات أن بعض الأطفال أذكى من غيرهم، وإنما مساعدة كل طفل على اكتشاف أفضل ما يستطيع أن يكونه.
هناك طفل يتعلم بالقراءة، وآخر بالصورة، وثالث بالتجربة، ورابع بالحوار والحركة والممارسة. وقد يبرع أحدهم في الرياضيات، ويتفوق آخر في اللغة، ويتميز ثالث في الموسيقى أو الرياضة أو القيادة أو العمل الجماعي. فإذا أصررنا على تعليمهم بالطريقة نفسها، ثم اختبرناهم بالأداة نفسها، فنحن لا نقيس قدراتهم المتنوعة؛ بل نقيس مدى قدرتهم على التكيف مع قالب واحد.
وحين يعجز المدرس أو النظام عن اكتشاف مداخل هذه القدرات، ثم يعامل الأطفال معاملة القطيع، يصبح الرسوب أحيانًا في رأيي شهادة على قصور المؤسسة أكثر مما هو حكم على الطفل.
من التقييم والتقويم إلى الفرز
هناك فارق جوهري بين ثلاثة مفاهيم تختلط في نظمنا التعليمية: التقييم، والتقويم، والفرز.
التقييم يعني أن نعرف أين يقف الطالب: ماذا فهم؟ وماذا لم يفهم؟ وما المهارات التي اكتسبها؟
أما التقويم فيتجاوز التشخيص إلى الإصلاح: كيف نساعده على تجاوز ضعفه؟ وكيف نغيّر طريقة التدريس؟ وما الدعم الذي يحتاج إليه؟
لكن الفرز شيء آخر. الفرز لا يسأل كيف يتقدم كل طفل، بل يقرر من يعبر ومن يُستبعد، ومن يستحق المكان المتاح ومن يُحرم منه.
لقد أصبحت الامتحانات في كثير من الأنظمة وسيلة فرز أكثر منها وسيلة تعليم. ويحدث ذلك لأن النظام لا يملك، أو لا يريد أن يوفر، أماكن جيدة ومسارات متنوعة تستوعب الجميع؛ فيحتاج إلى أداة تمنح الندرة مظهرًا عادلًا. وبدلًا من أن نعترف بأن المشكلة تكمن في محدودية الفرص، نقول للطالب إن المشكلة في درجته.
هنا يتحول الامتحان من أداة داخل العملية التعليمية إلى حارس يقف على أبوابها.
فالدرجة لا تعود رسالة تساعد الطالب والمدرس على تحسين التعلم، بل تصبح حكماً يقرر من يدخل كلية بعينها، ومن يُدفع إلى مسار لم يختره، ومن تُفتح أمامه أبواب المكانة الاجتماعية، ومن تُغلق في وجهه.
والتحدي الأعمق أن التعليم حق لجميع الأطفال، وليس مسابقة لاختيار عدد محدود منهم. وإذا كان النظام عاجزاً عن تقديم تعليم جيد للجميع، فلا ينبغي له أن يحوّل عجزه المؤسسي إلى اتهام شخصي للطلاب.
الثانوية العامة: مستقبل كامل في لحظة واحدة
تظهر هذه الأزمة بأوضح صورها في نظام الثانوية العامة في مصر، حيث اختُزل مستقبل الطالب، لعقود طويلة، في مجموع واحد ينتج عن امتحان موحد، في وقت محدود، وتحت ضغط نفسي بالغ.
نشأ هذا النظام، في جانب منه، لتحقيق غرض مفهوم: تجنب الوساطة والمحسوبية والفساد، وتوفير معيار مركزي واضح للقبول في الجامعات. وقد حقق قدرًا من العدالة الإجرائية؛ فالورقة لا تعرف اسم صاحبها، والمجموع المعلن يصعب التلاعب به مقارنة بمقابلات شخصية أو تقديرات محلية غير منضبطة.
لكن الخوف من فساد التقييم المتعدد دفعنا إلى اختزال التقييم كله في امتحان واحد.
بدلًا من بناء منظومة شفافة تجمع بين الأداء الدراسي المتراكم،والامتحانات المتنوعة، والمشروعات، والبحث، والفنون، والرياضة، والقدرة على التفكير والتواصل؛ لجأنا إلى الحل الأسهل إداريًا: درجة واحدة في شهادة واحدة وفي لحظة واحدة، يتحدد على أساسها جانب كبير من مستقبل الطالب.
وهكذا أصبح النظام منصفاً في إجراء ضيق، لكنه ظالمًا في النتيجة الإنسانية.
فالطالب قد يكون مبدعاً، واسع الثقافة، قادراً على القيادة والعمل الجماعي، لكنه لا يجيد استرجاع كم هائل من المعلومات تحت ضغط الوقت. وقد يكون آخر بارعاً في حل نمط متكرر من الأسئلة، من دون أن يمتلك معرفة عميقة أو قدرة مستقلة على التفكير. ومع ذلك تمنح الدرجة واحداً تفوقاً رسمياً، بينما تتجاهل كثيراً من قدرات الآخر.
الأسوأ أن الامتحان الواحد صنع حوله نظاماً تعليمياً موازياً خارج المدرسة. انتقلت الثقة من الفصل إلى مركز الدروس الخصوصية، ومن المدرس المربي إلى المدرس القادر على توقع السؤال، ومن الكتاب بوصفه مدخلًا إلى المعرفة إلى الملخص بوصفه طريقًا إلى الدرجة.
لم يعد الهدف أن يتعلم الطالب، بل أن يتعلم كيف يجتاز الامتحان.
وهكذا نشأ اقتصاد ضخم مخصص للحصول على الدرجات، بغض النظر عن المعرفة الواسعة، والنشاط المدرسي، والتكوين الثقافي،والقدرات الرياضية والفنية والاجتماعية. وأصبحت المدرسة، في حالات كثيرة، هياماً إدارياً يمنح الطالب حق دخول الامتحان، بينما تجري عملية الإعداد الفعلية خارجه.
عدالة الامتحان لا تكفي
المفارقة أن النظام قد يكون شديد الانضباط في تصحيح الأوراق، لكنه غير عادل في توزيع فرص الاستعداد لها. فالطالب الذي يستطيع شراء الدروس والكتب والمنصات التعليمية والوقت الهادئ لا يقف فعلياً عند نقطة البداية نفسها مع طالب مزدحم الفصل، محدود الموارد، لا يجد من يشرح له أو مكانًا مناسباً للمذاكرة.
وهنا نعود إلى "بورديو": الامتحان لا يصنع التفاوت كله، لكنه يستطيع أن يخفي جذوره الاجتماعية، ثم يعيد تقديم نتائجه باعتبارها فروقًا خالصة في الاستحقاق الفردي.
وهذا لا يعني إلغاء الامتحانات؛ فالقياس ضروري، والمعايير العامة تحمي من الأهواء والمحسوبية. لكن المطلوب هو تحرير التعليم من سلطة الامتحان الواحد، وبناء منظومة متعددة الأدوات، مع قواعد واضحة للمراجعة والتظلم والرقابة تمنع عودة الوساطة والفساد.
يمكن أن تشمل هذه المنظومة امتحانات موزعة على مراحل، وتقييمًا تراكمياً منضبطاً، ومشروعات عملية، وقياساً للفهم والتطبيق، وملفًا لإنجاز الطالب، إلى جانب الاعتراف الحقيقي بالفنون والرياضة والخدمة المجتمعية. كما ينبغي أن تكون هناك مسارات تعليمية متعددة ومتساوية في الاحترام، تسمح بالانتقال بينها، فلا يصبح نوع التعليم الذي يدخله الشاب حكمًا نهائيًا على قيمته.
السؤال الذي ينبغي أن نطرحه
بدلًا من أن نسأل: كيف نضع امتحانًا أصعب يميز المتفوقين من غيرهم؟ ينبغي أن نسأل: كيف نبني تعليمًا أفضل يمكّن أكبر عدد من الأطفال من النجاح والتفوق، كلٌّ وفق قدراته؟
الامتحان العادل ليس الذي يستبعد بمهارة أكبر، بل الذي يكشف مواضع القوة والضعف، ويوجه التعليم إلى الإصلاح، ويمنح الطالب أكثر من فرصة وأكثر من طريق.
فالأطفال ليسوا مواد خامًا على سير فرز صناعي، ولا أرقام جلوس تنتظر حكمًا نهائيًا. إنهم إمكانات إنسانية متنوعة، ومسؤولية المدرسة أن تكتشفها وتنميها، لا أن تهدرها ثم تمنح هذا الهدر اسمًا يبدو محترمًا: «الاستحقاق».
وربما يكون السؤال الحقيقي في نهاية كل عام دراسي ليس: كم طفلًا رسب في الامتحان؟
بل: في امتحان كم مدرسة ونظاماً تعليمياً كشف الأطفال عن قدراتهم في تحقيق هدف التعليم ؟