المعركة ضد الدولة.. خمسون عامًا من حروب الشرق الأوسط (١ من ٣)

إبراهيم العريس
إبراهيم العريس

آخر تحديث: الخميس 27 أغسطس 2026 - 7:15 م بتوقيت القاهرة

سنوات قليلة أخرى ويكون نصف قرن من الزمن قد مرّ على العديد من مناطق الشرق الأوسط، لكى نحصر كلامنا فى المنطقة التى تهمنا حاليا أكثر من أية منطقة أخرى من العالم، والتى تبدو لنا منذ عقود عديدة من أكثر مناطق هذا العالم سخونة. مرّ عليها وهى تعيش تنوعا فى الحروب والمخاطر والوقوف غالبا على حافة الهاوية. ولئن كان المؤرخون يميلون أكثر وأكثر إلى خص تلك الحروب بأسماء ومواصفات لا يتوقف تعدادها، فإن فى الوسع، بعد ذلك كله، حصرها جميعا باسم واحد يكاد يختصرها: الحرب على الدولة.

وهذه الحرب نزعمها هنا حربا على ما قد يمكننا اعتباره الإرث الوحيد الذى وصل إلينا، ولو مشوها، من العديد من الاستعمارات والانتدابات التى مرت على منطقتنا العربية طوال القرن العشرين، لكى لا نذهب فى التاريخ إلى أبعد من ذلك. وبالتحديد على الدولة بوصفها أداة حكم اجتماعى سياسى اقتصادى وربما ثقافى أيضا. هذه الحرب تكاد تكون الوحيدة الواضحة حتى وإن كانت لا تُرى بما فيه الكفاية، وعلى الأقل منذ أدرك كل أولئك الذين وصلوا إلى السلطة عن طريق الشارع أن ليس فى وسعهم أن يأمنوا لذينك الفاعليْن الكَبيريْن لإدارة حكمهم، فرأوا أن إعلان الحرب على الدولة خير ما يقيهم أن يتم الانقلاب عليهم كما انقلبوا هم على من سبقهم.

ولعل فى وسعنا، حتى وإن كنا نعرف سوابق سادت فى الاتجاه نفسه قبل انتصار الثورة الخمينية فى إيران، فى وسعنا أن نرى فى الممارسة التى أقدمت عليها تلك الثورة فى مجال نسفها لسلطة الدولة بإقامة دولة ثم دويلات موازية لها، تتولى حماية النظام الذى حل محل سابقه من الأخطار التى ستظل محدقة به، مؤمنة للحاكمين الجدد- وباسم الدين هذه المرة (فالثورة الجديدة عرفت نفسها بأنها «ثورة إسلامية»، ولكن دون أن يعرف أحد كيف كان ذلك حقا، لكننا لن نخوض هنا فى هذا الموضوع على أية حال)!

المهم أن العدو قد تحدد على الفور بشكل بات قدوة للآخرين، وسلاح مقاومته تحدد أيضا ويقوم على إنشاء قوى موازية مؤدلجة تنتفض أول ما تنتفض على المبادئ الأساسية التى قامت عليها شرعية العدو المعلن. فإذا أدركنا هنا أن العدو بدا منذ اللحظات الأولى واضحا ومحددا وهو الدولة، كما صيغت منذ أفلاطون وأرسطو وحتى حنّة أرندت وبيار بورديو (الأولى فى ثنايا كتابها العظيم عن التوتاليتارية، والثانى فى محاضرات سنة دراسية كاملة كانت الدولة موضوعها وهمّها)، سنفهم كيف أن كل الجهود انصبت منذ انتصار الإمام الخمينى على نسف العناصر الثلاثة التى تشكل كينونة الدولة: احتكار السلاح والعنف بالتالى، واحتكار العلاقات الخارجية من دولة إلى أخرى، واحتكار مالية الدولة عن طريق السيطرة على المداخيل وبالتالى توزيعها بين الطبقات والفئات المتنوعة.

ونعرف على أية حال أن تلك الاحتكارات الثلاثة سادت فى الدول الحديثة بحيث شكلت مصدر قوتها، ولا سيما مع تشكل سلطاتها كعنصر موحّد خلال القرنين السابقين على القرن العشرين، ولا سيما بعد الثورة الفرنسية ودخول أوروبا حداثات دولتية أفلتت من رقابة الكنيسة، وحتى من رقابة تلك المشروعية التى افترضها لويس الرابع عشر لنفسه حين صرخ قائلا يوما: «الدولة؟ لكننى أنا الدولة!». ولئن تمكنت القوى المستعْمِرة والمنتدِبة والمتكونة حديثا بفعل استقلالات طرأت فى القرن العشرين بفضل تنافسية قامت بين الدول المستعْمِرة - بكسر الميم - بل ربما أحيانا بفضل تلك النخب التى قُيِّض لها أن تدرس وتتحدثن فى عواصم المستعمرين متكونة بفضل نضالات أو انقلابات أو تحالفات قبلية قومية وما شابه ذلك... تلك الدول الهجينة التى حاولت دخول زمن العالم، لئن تمكنت من الانطلاق فى تجارب حكم ذاتى نجحت قليلا أو كثيرا، فإن ثمة تجارب عديدة وجدت نفسها تنهار أمام هيمنةٍ للدين المسيس أو أمام شتى أنواع الطموحات الشخصية فاندمجت فى اللعبة القبلية، ما أعاد الأمور إلى نقطة الصفر وإضاعة فرص على «الدول» المتكونة كانت قادرة على أن تُكوّنها حقا.

بل إن ما تكوّن منها خلال ما يمكننا أن نسميه مرحلة النهوض القومى، انهار عند أولى الاهتزازات التى طاولتها، وأحيانا أمام السقوط المدوى للثنائية الاستقطابية (العالم الذى سمى نفسه حرا / العالم الذى اعتبر نفسه اشتراكيا). أما بالنسبة إلى عالمنا العربى، فإن الانهيار أتى متواكبا مع الجرح النرجسى - كما سماه الراحل جورج طرابيشى - والذى أنتجته هزيمة يونيو ٦٧، وسقوط مشروع النهوض القومى الذى قاده الرئيس المصرى جمال عبدالناصر، وشكّل فى زمنه فرصة سرعان ما أفلتت من بين أيدينا، تماما كما حال الفرصة التى شكلها الانتماء إلى، أو الالتحاق بالثورة الفلسطينية.

من كل ذلك، بقيت تلك الدولة التى خارج إطار مجتمع أو مجتمعين عربيين ظلت صامدة فيهما: مصر بتراثها «الميرى» العتيق، ودولة المغرب بسياستها المخزنية المتوازنة منذ مئات السنين، وربما لبنان بالتوازنات الطائفية التى عرفت رغم كل شىء كيف تبتكر له نوعا من استقرار مركانتيلى هجين، ولكنه لم يخلُ من نوع من استقرار يمكن دراسته على حدة. ففى هذه البلدان الثلاثة، وربما فى المملكة السعودية لأسباب تتعلق بمشروعية دينية وتوازنات قبلية، عرفت الدولة كيف تترسخ وتتطور، بل تكاد تصبح هنا أو هناك نموذجا يصلح كقدوة، حتى وإن كانت تلك الدولة -الموعودة دائما والمشَكَّلة دائما- قد ضُخِّمت بصورة مفتعلة بحسب ما استنتج الباحث اللبنانى الراحل نزيه الأيوبى فى كتاب له لا ينبغى تناسيه وضعه كأطروحة بالإنجليزية بعنوان «تفخيم الدولة العربية».

مهما يكن من أمر، نعرف أن دولا هجينة قامت وراحت تنمو هنا وهناك فى العالم العربى، وفى الشرق الأوسط عموما لتُحلّ بشكل أو بآخر محل ذلك الحكم العثمانى الذى رغم مرور زمن طويل على زواله - حتى فى الإمبراطورية العثمانية نفسها - ظل ثمة من يحن إليه وإن متخفيا خلف شعار «مقدس»: «الإسلام هو الحل». وهو التوجه الذى يبدو لنا واضحا فى خلفية تلك «الخديعة الكبرى» التى ستحمل منذ بدايات العقد الثانى من القرن الحادى والعشرين اسم وشعار «الربيع العربى»، كما سنرى فى القسم الثانى من هذه الثلاثية.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2026 ShoroukNews. All rights reserved