أوديسة العصر

صحافة عربية
صحافة عربية

آخر تحديث: الأحد 27 سبتمبر 2026 - 6:20 م بتوقيت القاهرة

يثير النجاح الكبير لفيلم «الأوديسة»، للمخرج كريستوفر نولان تساؤلات عميقة، لا سيما حول شغف الإنسان بالتاريخ والأسطورة والملاحم والقصص العجائبية فى عصرنا الراهن بسماته الاستهلاكية. وإذا كان البعض يعزو هذا التميز إلى الجهود الإبداعية لنولان، فإن السر الحقيقى يكمن فى الغرائبية وروح التحدى والصراع الكامن فى هذه الملحمة الخالدة؛ بدليل نجاح فيلم آخر بعنوان «العودة» الذى أنتج عام 2024، للمخرج أوبيرتو بازولينى، والذى استلهم مضمونه أيضًا من الأوديسة.

الأوديسة هى قصيدة ملحمية إغريقية كبرى منسوبة للشاعر هوميروس تعود إلى القرن الثامن قبل الميلاد. تتكون من 24 جزءًا وتتناول عودة البطل أوديسيوس وصراعاته مع الوحوش واستعادة عرشه بعد مواجهات بطولية مع الصعاب، ومن الفتوحات الكبيرة لهذا النجاح أنه قد أعاد الاهتمام مرة أخرى بأدب الأساطير والملاحم والحكايات القديمة، فالملاحظ أن اهتمام جمهور القراءة والأفلام صار فى الآونة الأخيرة موجهًا نحو الفنتازيا والأساطير والخيال العلمى وكل ما يحلق بقوة الخيال متجاوزًا قسوة الواقع فى عالم متغير ويمور بالصراع.

ويبدو أن سر نجاح هذا العمل السينمائى الضخم، وكذلك الأعمال الروائية التى تحلق فى فضاءات متخيلة، يعود إلى أن مأساة الإنسان لم تتغير، فالعالم يعيش فى أجواء ربما تبدو مشابهة من حيث الصراعات والحروب والتشظى النفسى والحياة الفردية، وهذا يدفع الجمهور نحو قراءة مؤلفات ومشاهدة أعمال تقدم عمقًا وجوديًا، وتصنع حواريات حول القضايا والأسئلة الكبرى التى تجابه البشر فى واقع اليوم.

قدم الفيلم صورة بصرية غير مسبوقة؛ إذ استلهم المخرج لوحات عالمية تاريخية لتقريب فكرته، مثل تجسيد وحش «السيكلوب»، المستوحى من لوحة الفنان فرانسيسكو جويا «زحل يلتهم ابنه»، والعمل على تصميم بيئة الكهوف بناءً على لوحة «جزيرة الموتى» للفنان أرنولد بوكلين.

هذا النجاح الضخم للفيلم، سوف يفتح الباب مشرعًا للاتجاه نحو الأعمال ذات الطابع الميثولوجى والمستغرق فى الخيال، فكلما زادت ضغوطات الحياة، بحث البشر عن منافذ تحلق بهم بعيدًا عن واقعهم، ربما هو شكل جديد من الاغتراب لكن طبيعة العصر تفرضه بقوة.

يعيش إنسان اليوم فى عالم غامض، يبدو فيه الفرد مثل «أوديسيوس»؛ يبحر يوميًا وسط خضمّ المؤثرات والمغريات البصرية فى فضاء رقمى وافتراضى فرضه التطور التكنولوجى الهائل. وكأن المرء يواجه عبر هذه الجاذبية البصرية «نداء السايرنز»؛ تلك الكائنات الأسطورية القاطنة بجزيرة صخرية فى حكاية الأوديسة، والتى كانت تشدو بغناء ساحر يغوى البحارة ويدفعهم نحو تحطيم سفنهم على الصخور والهلاك، فلم يكن ذلك النداء فى الحقيقة إلا وهمًا.

علاء الدين محمود

جريدة الخليج الإماراتية

 

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2026 ShoroukNews. All rights reserved