ثلاثة انتخابات قد تعيد رسم المشهد السياسى
من الفضاء الإلكتروني «مدونات»
آخر تحديث:
الأحد 27 سبتمبر 2026 - 6:45 م
بتوقيت القاهرة
نشرت مدونة ديوان الصادرة عن مركز مالكوم كير ــ كارنيجى للشرق الأوسط وبرنامج الشرق الأوسط فى مؤسسة كارنيجى للسلام الدولى مقالا للكاتب مروان المعشر، يحلل فيه مسارات ثلاثة انتخابات مُستقبلية مرتقبة (إسرائيلية، وأمريكية نصفية، وفلسطينية)، كما يوضح المعشر تداعياتها الحاسمة فى إعادة تشكيل المشهد السياسى الإقليمى والدولى.. نعرض من المقال ما يلى:
تفصلنا أسابيع قليلة عن ثلاثة انتخابات قد تغيّر كثيرًا فى المشهد السياسى الإقليمى والدولى. أعنى، بدايةً، الانتخابات التشريعية الإسرائيلية فى 27 أكتوبر، ثم انتخابات التجديد النصفى للكونجرس الأمريكى بعدها بأسبوع، فى 3 نوفمبر، وأخيرًا الانتخابات التشريعية الفلسطينية المقرّرة، إن جرت، فى 28 من الشهر نفسه.
كتبت فى مقالى السابق عن الانتخابات الإسرائيلية، من الواضح أن الائتلاف الموالى لنتنياهو لن يحصل على أكثر من 52 أو 53 مقعدًا فى الكنيست، ما سيمنعه من تشكيل حكومة جديدة تحتاج إلى 61 مقعدًا على الأقل. لكن ذلك لا يعنى بالضرورة خروج نتنياهو من المشهد. فالائتلاف المُعارض له بزعامة غادى أيزنكوت، لن يحصل بدوره على أكثر من العدد نفسه تقريبًا، ما يمنعه أيضًا من تشكيل حكومة، بالرغم من أن حزب أيزنكوت، «يشار»، يتفوّق اليوم على الليكود فى عدد المقاعد.
أما القائمتان العربيتان، أى قائمة الجبهة المشتركة المدنية والقائمة العربية الموحدة الإسلامية، فمرشحتان للحصول على نحو 13 مقعدًا، بعد اتفاق الأحزاب المكوّنة للقائمة المشتركة على خوض الانتخابات معًا، من دون قائمة منصور عباس التى توافق على الانضمام إلى حكومة يهودية، خلافًا للأحزاب العربية الأخرى، ومع توقعات بارتفاع نسبة التصويت لدى فلسطينيى الداخل.
خلاصة القول، فى حال إصرار نتنياهو وأيزنكوت على عدم إشراك القوائم العربية فى الحكومة، ولا سيما أن القائمة المشتركة ترفض أصلًا دخول حكومة يهودية تواصل سياسة التمييز ضدّ فلسطينيى الداخل، فإن السيناريو الأكثر ترجيحًا هو اتفاقهما على حكومة «وحدة وطنية يهودية». وستستثنى هذه الحكومة فلسطينيى الداخل، وكذلك الحزبَين اليهوديَين اليمينيَين «المتطرّفَين»، سموتريتش وبن غفير، وحزب الديمقراطيين «اليسارى» بزعامة يائير جولان، الناتج عن اندماج حزبَى العمل وميرتس، وهو الحزب الوحيد اليهودى الذى يقبل اليوم بدولة فلسطينية.
مثل هذا التوافق سيؤمّن حكومةً جديدة بأغلبية مريحة فى الكنيست، قد تكون أكثر تشدّدًا تجاه ممارسات المستوطنين فى الضفة الغربية، وقد تحاول تحسين صورة إسرائيل أمام المجتمع الدولى، لكنها لن تعطى أى تنازلات للفلسطينيين، أو تحرز تقدّمًا نحو حلّ الدولتين، الذى لا يؤمن به أى من مكوّنات مثل هذه الحكومة. إضافةً إلى ذلك، سيصرّ نتنياهو على ترؤسها أولًا ضمن أى اتفاق للتناوب، لأن مصيره بعد سنتَين غير واضح فى ظلّ مشاكله القضائية. بمعنى آخر، خسارة نتنياهو الانتخابات لا تعنى بالضرورة ابتعاده عن رئاسة الحكومة، ولا تعنى أن الحكومة المقبلة ستكون أكثر مرونةً تجاه إيجاد حلّ سياسى يفضى إلى قيام دولةٍ فلسطينية.
يختلف الوضع فى الانتخابات الأمريكية النصفية، فكل الدلائل تشير إلى أن مجلس النواب الأمريكى سيحصل على أغلبية ديمقراطية، على الرغم من المحاولات الجمهورية لإعادة رسم بعض الدوائر بما يزيد حظوظ مرشحى الحزب. يصوّت الناخب الأمريكى عادةً وفق معايير اقتصادية، لا وفق السياسات الخارجية للحزبَين، إلا إذا بدأت هذه السياسات تمسّ جيبه، كما هو الحال اليوم. فقد ارتفعت أسعار الوقود والموادّ الغذائية كثيرًا بعد الحرب على إيران، ما دفع الكثير من الأمريكيين، بمن فيهم جزء من قاعدة ترامب الانتخابية، إلى التشكيك فى نجاعة سياساته الاقتصادية والخارجية. يُضاف إلى ذلك أن بعض تصريحات ترامب الأخيرة الغريبة كوعده إعطاء كل ناخب خمسة آلاف دولار فى حال بقيت أغلبية جمهورية فى كلا المجلسَين بدأت تبعث الشكّ فى قدرته العقلية لدى الكثير من الناخبين.
الجديد اليوم، فيما كان الرأى السائد سابقًا يستبعد تحوّل مجلس الشيوخ إلى أغلبية ديمقراطية، إذ يحتاج الديمقراطيون إلى قلب أربعة مقاعد جمهورية والاحتفاظ بمقعدَين ديمقراطيَين فى ست ولايات غير محسومة، تشير استطلاعات الأسابيع الماضية إلى إمكان حصولهم على واحد وخمسين مقعدًا تؤمّن لهم الأغلبية المطلوبة. ولا يزال من السابق لأوانه الجزم بهذا الانتصار، لكنه، إن تحقّق فى المجلسيَن، سيشكّل شوكة فى حلق سياسات ترامب، ويجعل تمرير الكثير منها بالغ الصعوبة. ولا ننسى أن مجلس الشيوخ يوافق على تعيينات كبار مسئولى الدولة، بمن فيهم الوزراء والسفراء وقضاة المحكمة العليا وكبار القضاة الآخرين، فضلًا عن كبار قادة الجيش.
نأتى إلى الانتخابات التشريعية الفلسطينية التى التزمت بها السلطة العام الماضى، تنفيذًا لضغوط عربية ودولية، على أن تتبعها انتخابات رئاسية، بعد أكثر من عشرين عامًا على آخر انتخابات جرت فى العام 2006. من حقّ المواطن الفلسطينى أن تجرى هذه الانتخابات لتجديد شرعية المجلس التشريعى والرئاسة الفلسطينية، بعدما شهدت السنوات العشرون الماضية تطوّرات كثيرة لم يَعُد معها الناخب الفلسطينى يشعر بتمثيلٍ حقيقى فى هاتَين المؤسستَين، إلا أن تطوّرات مُقلقة اليوم تفيد بأن السلطة الفلسطينية إما تفكّر جديًا فى تأجيل الانتخابات، أو اتخذت بالفعل قرار التأجيل ولم يتبقَّ سوى تحديد آلية الإعلان عنه.
لا شكّ فى أن الحرس القديم فى السلطة قلقٌ للغاية من انتخابات يُنتظر أن يخسر فيها كثيرًا من مقاعده ونفوذه، كما أن قوى ثالثة، إلى جانب فتح وحماس، ظهرت خلال العقدَين الماضيَين، ولها قواعد شعبية مؤثّرة. ويجادل الحرس القديم اليوم، مستخدمًا مختلف الذرائع، بضرورة تأجيل الانتخابات. هذا خطأ كبير، فالسلطة الفلسطينية فى أضعف أحوالها، ولا يمكنها بحالٍ ادّعاء تمثيل غالبية الشعب الفلسطينى من دون انتخابات عادلة ونزيهة. الزمن تغيّر؛ نحن فى العام 2026 لا 2006. صحيحٌ أن الولايات المتحدة وإسرائيل لا تريدان هذه الانتخابات، لكن واجب السلطة الفلسطينية اليوم الإصرار عليها تنفيذًا لرغبة شعبها.
ثلاثة انتخابات قد تغيّر المشهد جذريًا.. نراقب وننتظر.
النص الأصلى