تنظيم السوق العقارية أولًا قبل قانون المطورين
عماد الدين حسين
آخر تحديث:
الأحد 27 سبتمبر 2026 - 6:30 م
بتوقيت القاهرة
هل مصر فى حاجة لقانون المطورين العقاريين فورًا، أم أنها بحاجة أولًا لرؤية متكاملة لتطوير الإطار التشريعى والمؤسسى المنظم للسوق العقارية بأكملها؟.
هذا سؤال مهم لأن هذه القضية ينبغى أن تشغل الجميع، لوجود مشكلة حقيقية فى هذا القطاع العقارى تحتاج إلى علاج سريع حتى لا تتفاقم، وتؤثر على هذا القطاع الذى يمس غالبية المواطنين، ويلعب دورًا مهمًا فى الاقتصاد الوطنى، ويتداخل مع أكثر من 17 مهنةً وحرفةً، ويتولى تشغيل ملايين المصريين سنويًا، ويساهم مع قطاع البناء والمقاولات بنسبة 18% من الناتج المحلى، أى أكثر من الزراعة أو الصناعة، ونسبة كل قطاع منهما نحو 15٪.
فى يوم الإثنين 7 سبتمبر كتبت فى هذا المكان تحت عنوان «عن المطورين العقاريين غير الملتزمين».
وكثيرون غيرى كتبوا وتحدثوا، والعديد من الجهات بدأت تناقش الموضوع، لكن معظم المعالجات جاءت جزئية وناقصة.
وقبل أيام تلقيت دراسة مهمة من حزب الجبهة الوطنية الذى يرأسه الدكتور عاصم الجزار وزير الإسكان الأسبق.
دراسة الحزب الموسعة تقع فى 17 صفحة مصحوبة برسوم بيانية وجداول وإنفوجرافات، وتتناول الرؤية المستقبلية وخريطة طريق تنفيذية. وأهميتها تنبع أيضًا من أن رئيس لجنة الإسكان بالحزب وهو الدكتور أحمد شلبى يشغل أيضًا رئيس لجنة الإسكان فى مجلس النواب.
وسوف أحاول فى مقالين متتاليين تقديم ملخص مبسط، لعله يكون مدخلًا لنقاش جاد وموضوعى لهذه القضية الحيوية.
الورقة استندت إلى تحليل التحديات الحالية للمنظومة العقارية وتبدأ بتشخيص الوضع الراهن ورصد التحديات الرئيسية التى تواجه السوق العقارية، وفقًا لخمس مراحل مترابطة تشمل تخصيص الأراضى والتخطيط والتراخيص، والتمويل العقارى وتمويل المشروعات، والتطوير العقارى والتنفيذ، والتسويق والبيع والتسليم، والتشغيل والصيانة وإدارة الأصول العقارية.
كما تحدد الورقة مجموعة من الفجوات الرئيسية، وهى تخصيص وطرح الأراضى، التى تتم من خلال جهات ولاية متعددة، وبقرارات جزئية غير منسقة زمنيًا ومكانيًا، ودون وجود إطار مؤسسى موحد يربط بين سياسات طرح الأراضى وبين اتجاهات الطلب الفعلى، مما يؤدى إلى اختلالات فى التوازن بين العرض والطلب.
وترصد الورقة الفجوات ومنها فجوة البيع على الخريطة، ففى ظل غياب دور القطاع المصرفى فى تمويل المشروعات العقارية، باعتباره أحد أهم أدوات تمويل المشروعات العقارية. ورغم الدور الذى أسهم به هذا النموذج فى دعم التوسع فى نشاط التطوير العقارى، لكنه أدى فى المقابل إلى انتقال جزء كبير من مخاطر تمويل وتنفيذ المشروع إلى المشترى.
وهناك فجوة مخاطر عدم وجود حساب مشترك للمشروع، وغياب إطار تشريعى وتنظيمى متكامل وملزم لحسابات ضمان المشروعات العقارية، يضمن إيداع متحصلات المشترين فى حساب مستقل لكل مشروع، وربط الصرف منه بمعدلات الإنجاز الفعلية، حال اكتمال المنظومة التمويلية بما يحمى أموال المشترين ويحد من مخاطر تعثر المشروعات أو تأخرها.
ثالثا مخاطر غياب نماذج تعاقدية شبه موحدة تنظم العلاقة بين المطورين والمشترين مما يقود إلى تفاوت كبير فى صياغة العقود وفى تحديد حقوق والتزامات كل طرف، خاصة فيما يتعلق بمواعيد وجداول التسليم، وفترات السماح، وغرامات التأخير والتعويضات، وشروط الإلغاء واسترداد المبالغ، وحالات تغيير المساحات أو المواصفات، وآليات فض المنازعات.
رابعًا: التسجيل والحصر والتصنيف العقارى؛ حيث تعانى المنظومة من غياب قاعدة بيانات وطنية دقيقة يمكن الاستناد إليها فى صنع القرار، وتقييم المخاطر، ووضع سياسات ضريبية وتمويلية وتنظيمية رشيدة. كما يمثل التسجيل القانونى والمنتظم شرطًا أساسيًا لنجاح استراتيجية «تصدير العقار».
خامسا: لم يصاحب توسع النشاط تطورًا مماثلًا فى التأهيل والترخيص للوساطة العقارية. وتظهر آثاره فى تفاوت الممارسة المهنية، وضعف الإفصاح عن الوضع القانونى والتنفيذى وتضارب المصالح؛ بما يؤثر فى قرارات الشراء والثقة وعدالة المنافسة.
واخيرا، التشغيل والصيانة وإدارة الأصول حيث تمتد الفجوات إلى ما بعد التسليم، خصوصًا فى تحديد مسئوليات المطور، ونقل الإدارة إلى الملاك، والرقابة على شركات التشغيل، وإدارة ودائع الصيانة ورسوم الخدمات.
كما تتحدث ورقة حزب الجبهة الوطنية عن الأطراف الرئيسية فى منظومة السوق، وتقول إن جهات الولاية على الأراضى تتولى التخطيط والتخصيص وضبط شروط الإتاحة، ويستلزم دورها وضوح العلاقة بين وظائف الملكية والتنظيم والمشاركة فى التطوير. ويتحمل المطورون العقاريون مسئولية تطوير المشروع وتدبير تمويله وتنفيذه وتسليمه، وقد تمتد مسئولياتهم إلى التشغيل وإدارة الأصول.
وتوفر البنوك ومؤسسات التمويل العقارى التمويل للمطورين والمشترين، ويعد ربطها بحسابات الضمان وتقييم حالة المشروع عنصرًا أساسيًا لضبط المخاطر.
فى الجزء الثانى إن شاء الله، سنتناول خريطة الطريق المقترحة نحو سوق عقارية أكثر تنظيمًا وشفافية تراعى حجم السوق وتشابك أطرافها.