عمدة برج رشيد وزملاؤه فى مواجهة عالم يتغير جذريًا
نبيل الهادي
آخر تحديث:
الأحد 27 سبتمبر 2026 - 6:25 م
بتوقيت القاهرة
هل الأسئلة الكبرى التى تفرضها التحديات الكبرى التى نواجهها والتغيرات المتوقعة عالميًا وإقليميًا وتبعاتها هنا تتطلب إجابات كبرى من قبيل ثورات اجتماعية وتحولات ديمقراطية كبرى، أم أنه توجد فرصة لمواجهة تلك التحديات من منطلق آخر يتبنى الأفعال والتدخلات الأصغر، ولا يتطلب هذا التغيير الكبير الذى قد لا يحدث على الأقل قريبًا؟
كتب أبهيجيت بانيرجى وإستير دوفلو (الفائزان بجائزة نوبل فى الاقتصاد لعام ٢٠١٩) فى كتاب «اقتصاد الفقراء»: «النبأ السار هو أنه من الممكن تحسين أداء الحكومة والسياسات دون الحاجة إلى تغيير البنى الاجتماعية والسياسية، إذ يوجد أفق هائل للتحسن فى البيئات المؤسسية «الجيدة»، وهامش بسيط للفعل حتى فى ظل البيئات الرديئة».
• • •
لأننى معمارى وعمرانى درستُ المدينة وتاريخها والتحديات التى تواجهها حاليًا وفى المستقبل، لدى شغف خاص بالمدن، وخاصة تلك التى حقق قادتها والمسئولون المحليون بها نجاحات ملموسة. ولم أتوقف عند النظر فقط، وإنما اختبرتُ ما تم فى تلك المدن ماشيًا أو بالدراجة أو باستخدام المواصلات العامة، وكيف ساهمت أعمال قادة تلك المدن بالاشتراك مع مواطنيها فى جعل مدنهم مكانًا متفردًا لساكنيها وزوارها.
منها ما كتبتُ عنه سابقًا مثل مدينة برشلونة فى مقالى «مدينة المعجزات ومعجزات للمدن»، والتى كانت المدينة الأولى التى تفوز بأقدم جائزة معمارية وهى جائزة المعهد الملكى البريطانى للعمارة عام ١٩٩٩. وكان ذلك باعتبارها مثالاً ساطعًا لإعادة التجديد الحضرى ليس فقط من خلال المشروعات الكبرى، ولكن أيضًا من خلال المشروعات الصغيرة مثل إنشاء الحدائق على المناطق الصناعية السابقة. ولا زلتُ أتذكر بعضًا مما جاء فى خطاب قبول الجائزة والذى شكل بالنسبة لى إطارًا جادًا للعمل، خاصة فى تدريس مشروع التخرج للطلبة منذ ما يقرب من عشرين عامًا.
شدد الخطاب على الرؤية التى حملها عمدة المدينة بالمشاركة مع المسئولين والمواطنين، وركز على عشر نقاط رئيسية؛ منها ما يركز على الأماكن العامة التى يراها جوهر المدينة ومن أهم ما فيها، ومنها ما يركز على فهم العمارة كمشروع للمدينة (لا كمظهر أو تباهٍ أو أشكال خارجية). وكان البعد السياسى للمدينة واضحًا جدًا فى تلك الرؤية التى تقف وراء الجوانب المختلفة لهذه المدينة. وحتى يومنا هذا، يتوالى على المدينة عمدة تلو آخر يبنى على ما تحقق ويبذل مجهودًا للقيام بما هو أفضل، وأحدثها ما قامت به العمدة السابقة من إعادة الطبيعة البرية لشوارع المدينة المختلفة، مما زادها إنسانية وجمالاً ساهم فى دعم الحياة بها.
• • •
بعدها، وفى مايو ٢٠١٦، كان لى الحظ أن استمعتُ لخطاب أحمد أبو طالب، عمدة مدينة روتردام أنذاك، ذى الأصل المغربى، فى مناسبة تخص العمارة والمدينة. اندهشتُ وأعجبتُ بشدة بالرؤية التى طرحها لمستقبل مدينته، والتى تنم عن معرفة مركبة وحساسية وإرادة واضحة وقوية، وكنتُ وقتها فى بداية تبنى قضايا البيئة كمحور لعملى الجامعى والمهنى. ولم أتعجب عندما علمتُ لاحقًا أنه فاز بجائزة أفضل عمدة فى العالم لعام ٢٠٢١. كان خطابه مليئًا بالرؤى الشجاعة لجعل مدينته رائدة على مستوى العالم، وهو ما تعرفتُ ولا زلتُ أتعرفُ على تفاصيله العملية من خلال المشروعات على الأرض التى تتحقق هناك، والتى بالطبع لا تخلو من نقائص وتتعرض للنقد والفحص من الكثيرين ومنهن إحدى طالباتى، ولكنها ما تزال على ما أرى تسير بخطوات كبيرة ومهمة للغاية لتحقيق أهدافها المبنية على التعامل الجاد والمبدع مع الموارد الطبيعية، ومواجهة التغير المناخى وتدهور التنوع الطبيعى، وتحويل تلك المواجهة إلى فرص كبيرة.
كانت مدينة روتردام بصفة خاصة صاحبة فضل كبير علىَّ فى فهم علاقة الاقتصاد بالمدينة وتأثير ذلك على مستقبلها، وكيف أنه لا يمكن فصل ذلك عن العمران وفضاءاته ومواطنيه. وأخذتُ فى تطوير التساؤلات التى بدأناها محليًا قبل ذلك بعدة شهور لكى نربط الاقتصاد بالمجتمع والطبيعة مع ربط ذلك بالمجتمع المحلى. كنتُ قديمًا أقارن بين تلك المدن ومدننا، ولكننى من خلال العمل الذى نقوم به منذ أكثر من عشر سنوات تطور فهمى لواقعنا وتطورت أسئلتى؛ فأنا هنا لا أقصد مقارنة برج رشيد ببرشلونة أو روتردام، ولكننى أُعجبتُ بقدرة الحكم المحلى الذى لا ينتظر تعليمات (على الأقل فى المستوى الأقرب للتأثير على حياة المواطنين اليومية) على العمل والرؤية الدافعة له، والتى تتقدم أحيانًا على رؤية الحكومة المركزية لخدمة مواطنيها.
• • •
ولأن سكان الكرة الأرضية يواجهون التحديات الكبرى نفسها، خاصة المتعلقة بالتغير المناخى وتدهور التنوع الطبيعى، فلطالما تساءلتُ عما يستطيع مسئولو الحكم المحلى فعله عندنا؟ وماذا فى قدرة هذا المسئول الحالى غير المنتخب فى برج رشيد أن يفعله سوى انتظار تعليمات السيد رئيس مركز رشيد، الذى بدوره ينتظر تعليمات المحافظ، الذى بدوره ينتظر ما يجود به عليه السيد وزير المالية، لمدينتهم؟
ثم تخيلتُ أن قانونًا جيدًا للإدارة المحلية قد تم إقراره أخيرًا (نسمع بين الحين والآخر أن هناك مناقشات جادة بخصوصه فى البرلمان)، بحيث يضمن أكبر قدر من النزاهة ويشجع الأكفاء وذوى الرؤية للتقدم لخوضها وربما للفوز. ولكى يستطيع طرح رؤية وخطط واضحة لمواجهة التحديات الكبرى التى تواجه المواطنين والمواطنات والطبيعة، والتى تنطوى على طبيعة مركبة، سيقوم هذا العمدة المنتخب أيام ترشحه بالاستعانة بالعديد من الخبراء لكى يفهم بصورة أفضل ما هو مطلوب منه، ويضع التصورات والخطط الأولية المبدعة التى تمكنه من التعامل مع تلك التحديات من أول يوم لتوليه منصبه فى ظل الموارد المتاحة والممكنة. وسيحافظ على تعاونه القريب والدائم مع الخبراء بعد انتخابه، وسيتعلم كل ما هو جديد، كما سيدعو ممثلى وكالات التنمية الدولية للمساعدة فى تنفيذ مشروعات أولية صغيرة تعتمد على ابتكارات محلية. وبينما سيعمل أولاً فى ظل ما هو متاح، إلا أنه سيتخطط أيضًا لتوفير موارد أخرى بصورة مبتكرة فى انتظار إقرار قوانين فى المستقبل القريب تتيح توفير موارد أكبر تتناسب مع مساهمة تلك الأماكن فى الاقتصاد المحلى ودورها فى الحفاظ على البيئة الطبيعية لإقليمها ودعمها، وربما لمصر أيضًا.
ستفرز تلك الانتخابات عبر مدن وقرى مصر عشراتٍ من المسئولين المنتخبين المبدعين والقادرين على التعامل بذكاء مع الوضع القائم والسيناريوهات المتوقعة لمستقبل أماكنهم، وسيمثل هؤلاء إلهامًا لمئاتٍ آخرين يستطيعون أن يسيروا على دروب قريبة ويتبنوا طرقًا مجربة. ومن خلال النجاحات الأولية وانتشار الأخبار عنها عبر من رأوها رأى العين، ومع روح الغيرة الحميدة والتنافس، ستنتشر فى غضون خمس إلى عشر سنوات روح الإقدام والمسئولية المصحوبة بنتائج على الأرض يلمسها المواطنون والمواطنات ويدعمونها ليس فقط بالتشجيع، ولكن بالنقد والمطالبة بالمحاسبة فى حالات التقصير.
ما قرأتُه فى كتاب «اقتصاد الفقراء»، والذى بُنى على دراسات ميدانية دامت لسنوات وعلى بيانات تم جمعها من ثمانى عشرة دولة، كان مشجعًا على أننا ربما نمضى فى الاتجاه المطلوب فى عملنا منذ سنوات؛ فكما يقول الكاتبان المشار إليهما سابقا: «ربما لا يكون لدينا الكثير لنقوله حول سياسات الاقتصاد الكلى أو الإصلاح المؤسسى، لكن لا تدع البساطة الظاهرة للمشروعات تخدعك؛ فالتغييرات البسيطة يمكنها أن تحدث تأثيرات واسعة النطاق».
يدعم نيت هيجينز وغيره من المهتمين بالأزمات الكبرى التى يواجهها عالمنا الرؤية القائلة إننا باتجاه التحول إلى مناطق حيوية أو ما يُسمى بـ «البيوريجونز» (Bio-regions / الأقاليم الحيوية)، تضم فى إطارها مواطنين ومواطنات قادرين على استهلاك أقل قدر من الطاقة، وقادرين على زراعة طعامهم بأنفسهم وضمان الموارد الطبيعية الخاصة بهم، كما أنهم يدعمون بعضهم بعضًا لكى يتمكنوا من البقاء فى مواجهة التحولات الكبرى المتوقعة. وأيًا ما كان شكل المستقبل القريب، فلا ريب أن تفرد كل مكان من حيث الطبيعة سيفرض على مجتمعه استجابة تتشكل من خلال تعاملهم مع ما هو موجود بجوارهم. ولا بديل لنا أيضًا من أن نبدأ فى دعم قدرة الأماكن المختلفة فى أنحاء مصر ومجتمعاتها وقادتها ليصبحوا قادرين على الأخذ بأيدى أنفسهم وإنقاذ الطبيعة المتدهورة من حولهم، ويوجدوا حياة طيبة لأنفسهم تمكنهم من الصمود فى وجه الموجات العاتية القادمة لا ريب.
أستاذ العمارة بجامعة القاهرة