مسكنات الرئيس ترامب السياسية فى الشرق الأوسط

رخا أحمد حسن
رخا أحمد حسن

آخر تحديث: الثلاثاء 27 أكتوبر 2026 - 6:45 م بتوقيت القاهرة

إن الرئيس الأمريكى دونالد ترامب، منذ توليه رئاسته الثانية فى 20 يناير 2025، وهو يسرف كثيرًا فى اللجوء إلى استخدام المسكنات السياسية فى أزمات وقضايا الشرق الأوسط التى يعلن بضجة سياسية وإعلامية أنه يتولاها من أجل التوصل إلى تسويات سياسية لهذه الأزمات، ويتولى بنفسه الحملة السياسية والإعلامية، وبمساعدة بعض وزرائه ومستشاريه الذين اختارهم على هواه، لإقناع الضالعين فى هذه الأزمات، والرأى العام العالمى والأمريكى، بأنه يحقق إنجازات كبيرة ورائعة وغير مسبوقة، وينوه دائمًا إلى أنها تؤهله للحصول على جائزة نوبل للسلام. بينما الحقيقة على أرض الواقع تثبت عمليًا أن كل القضايا والأزمات فى المنطقة ما تزال تراوح مكانها بمجرد إلقاء نظرة عابرة عليها.
• • •
وبالنظر لبعض الأمثلة على ذلك، ومنها الحرب الإسرائيلية على غزة، وإطلاق ما عرف بخطة ترامب لتحقيق السلام فى غزة والتى تضمنت عشرون بندًا، وقد أعلنت فى 30 سبتمبر 2025، بالتعاون فى صياغتها مع رئيس وزراء إسرائيل نتنياهو، ومن أهم بنودها، وقفًا محددًا لإطلاق النار، وانسحابًا جزئيًا لقوات الاحتلال الإسرائيلية من قطاع غزة بالتوازى مع نزع سلاح حماس، وتبادلًا للأسرى والمحتجزين لدى كلا الطرفين الإسرائيلى والفلسطينى، وإدخال المساعدات الإنسانية لقطاع غزة دون معوقات بمعدل 600 شاحنة يوميًا، وتشكيل إدارة تكنوقراط محلية فلسطينية مستقلة لا تنتمى لأى فصائل فلسطينية تتولى إدارة قطاع غزة فى المرحلة الانتقالية، وتشكيل قوة استقرار دولية تتولى التنسيق مع إسرائيل والإدارة الفلسطينية فى غزة وتشرف على المعابر ودخول المساعدات وتأمين توزيعها، واستلام المناطق التى تنسحب منها تدريجيًا القوات الإسرائيلية، وتشكيل مجلس انتقالى للسلام برئاسة ترامب الذى يختار أعضاؤه. وغير ذلك من بنود أخرى.

وقد التزمت حماس بوقف إطلاق النار وتسليم ما لديها والفصائل الفلسطينية الأخرى من أسرى ومحتجزين إسرائيليين، وكانت إسرائيل عند بدء وقف إطلاق النار تسيطر على نحو 53% من مساحة قطاع غزة، وسلمت بعض الأسرى والمسجونين الفلسطينيين لديها. ولكنها لم تلتزم إطلاقًا بوقف إطلاق النار واستمرت فى قصف وقتل المدنيين الفلسطينيين فى قطاع غزة، وعمليات هدم يومية لما تبقى من مبانى ومنشآت فى القطاع، وتجريف الأراضى الزراعية وهدم آبار المياه، وإرغام المزيد من السكان على النزوح إلى أماكن أخرى للتوسع فى المساحة التى تسيطر عليها قوات الاحتلال الإسرائيلية حتى وصلت إلى نحو 65% من إجمالى مساحة قطاع غزة حتى الآن، وتوسعت فى إقامة المراكز العسكرية فى عدة مناطق من القطاع، ولم يسمح إلا بدخول نحو 200 شاحنة مساعدات يوميًا أو أقل من ذلك مع التحكم الشديد فى دخول الأدوية والوقود، وعدم السماح بدخول معدات لإزالة الركام والبدء فى عملية التعافى المبكر تمهيدًا للقيام بعملية إعادة الإعمار.

ولم يستكمل تشكيل القوات الدولية وترفض إسرائيل دخولها قطاع غزة حتى الآن. وتم تشكيل إدارة التكنوقراط الفلسطينية لإدارة قطاع غزة بتوافق الجميع، ولكن إسرائيل لم تسمح بدخولها القطاع حتى الآن. وحول ترامب مجلس السلام إلى مجلس دولى ودعوة العديد من الدول للانضمام إليه، مع تشكيل مجلس سلام لغزة يرأسه نيكولاى ميلادينوف تحت إشراف ترامب. واشترطت إسرائيل نزع سلاح حماس بالكامل قبل بدء انسحاب قواتها تدريجيًا، ورفضت الانسحاب إلى الخط الأصفر عند وقف إطلاق النار وتسليم المساحات الإضافية التى استولت عليها. وقد بلغ عدد القتلى الفلسطينيين فى قطاع غزة منذ وقف إطلاق النار فى أكتوبر 2025 حتى أكتوبر 2026، نحو 1500 شخصًا بينهم 340 طفلًا حسب إحصاءات اليونيسيف. ويعانى الفلسطينيون فى غزة من الجوع وكل أنواع الأمراض، والعيش فى ظروف غير إنسانية إما فى خيام ممزقة أو وسط أنقاض بعضها آيل للسقوط. وبالرغم من ذلك كله فإن الرئيس ترامب يتحدث بافتخار أنه استطاع أن يحقق السلام فى قطاع غزة!

وإن ما حدث فى الضفة الغربية لا يقل عن ما حدث ويحدث فى قطاع غزة، حيث تعمل إسرائيل بكل همة على ضم أكبر مساحات من الضفة الغربية إليها، سواء بتوسيع المستوطنات أو بإنشاء مستوطنات جديدة، أو بإخلاء مناطق وإقامة مراكز عسكرية فيها بعد دفع سكانها إلى النزوح وهدم عدة منازل، ومنعهم من العودة إلى مساكنهم. وما يقوم به المستوطنون من حرق ممتلكات الفلسطينيين والاعتداء عليهم ومنعهم من الذهاب إلى مزارعهم لقطف محصول الزيتون والقيام بحرق أشجاره وسرقة ما تم قطفه من زيتون. وتعدد مرات قيامهم بسرقة قطعان المواشى والأغنام. كل ذلك وهم فى حماية قوات الاحتلال الإسرائيلية. وحقيقة الأمر أن هؤلاء المستوطنين هم من جنود الاحتياط للجيش الإسرائيلى، ومدربون على ما يقومون به من اعتداءات لإرهاب الفلسطينيين وإرغامهم على النزوح ثم الهجرة. ولم يخرج الموقف الأمريكى عن الاستنكار الشفوى لما يقوم به هؤلاء المستوطنون، ودون أى رد فعل على تأكيد نتنياهو وحكومته أنهم لن يسمحوا بأى حال بقيام دولة فلسطينية، ولم يحدث أن ذكر ترامب ولو مرة واحدة حل الدولتين منذ توليه رئاسته الثانية.

• • •
أما الاتفاق الإطارى بين إسرائيل ولبنان الموقع برعاية وضمان أمريكى فى 26 يونيو 2026، فإنه يهدف إلى وقف الأعمال العدائية (بين إسرائيل وحزب الله) وبسط سيادة الجيش اللبنانى على المناطق التى تنسحب منها إسرائيل فى جنوب لبنان، ونزع سلاح حزب الله عبر مراحل تتضمن انسحاب القوات الإسرائيلية، وانسحاب قوات حزب الله شمال نهر الليطانى، وإجراء اختبارات أمنية فى مناطق تجريبية فى جنوب لبنان يتم تسليمها للجيش اللبنانى، وإقامة علاقات حسن جوار، والتزام لبنان بحصر السلاح فى يد الدولة ومؤسساتها الرسمية، وغير ذلك من بنود أخرى، ومنها بند تتمسك به إسرائيل بأن يكون من حقها اتخاذ إجراءات عسكرية ضد كل ما ترى أنه يمثل تهديدًا، حقيقيًا أو محتملًا، لأمنها أو لقواتها. وهو البند الذى توسعت فى استخدامه بصورة دائمة بدعوى تدمير منشآت عسكرية أو أنفاق أقامها حزب الله، بل تمادت بتدمير قرى بأكملها لمنع سكانها من العودة إليها، والإصرار على ربط عملية إعادة إعمار جنوب لبنان وانسحاب قوات الاحتلال الإسرائيلية بنزع سلاح حزب الله أولًا. وقد رفض حزب الله الاتفاق الإطارى ووصفه بأنه بمثابة استسلام لبنان للضغوط الأمريكية والإسرائيلية وأن مسألة سلاحه شأن لبنانى بينه والحكومة اللبنانية ومرتبط بالانسحاب الكامل للقوات الإسرائيلية من جنوب لبنان. ورغم ذلك فقد التزم الحزب بوقف إطلاق النار والانسحاب إلى شمال نهر الليطانى، وبقيت قوات الاحتلال الإسرائيلية ولم تنسحب تدريجيًا لتمكن الجيش اللبنانى من بسط سيطرته. وضغطت واشنطن على الحكومة اللبنانية من أجل استمرار المفاوضات بينها وإسرائيل على المستويين السياسى والعسكرى دون إحراز تقدم سواء نظريًا أو عمليًا حتى الآن. ومع ذلك يصر الرئيس ترامب فى تصريحاته على أنه حقق السلام بين إسرائيل ولبنان.
إن الحكومة اللبنانية محاصرة بعدة تحديات ما بين أزمة اقتصادية حادة، والحاجة إلى إعادة إعمار جنوب لبنان وإعادة النازحين اللبنانيين إلى قراهم ومساكنهم وأعمالهم، وكل ذلك يحتاج إلى تمويل خارجى ترهنه واشنطن والقوى الدولية والإقليمية بنزع سلاح حزب الله وتحوله إلى حزب سياسى ضمن القوى السياسية اللبنانية، وهو الأمر الذى يجعل السلطات اللبنانية تدور فى حلقات مفرغة دون مساعدة أمريكية حقيقية.

• • •
أما سوريا، فقد التقى الرئيس ترامب عدة مرات الرئيس الانتقالى السورى أحمد الشرع، ودعاه إلى البيت الأبيض فى واشنطن وأبدى إعجابه بما يقوم به فى سوريا وباستمرار مفاوضات التهدئة الأمنية مع إسرائيل، ورفع بعض العقوبات الأمريكية عن سوريا، ورفع اسمها من قائمة الدول التى تتعاون مع الإرهاب بعد تعهد الشرع بمحاربة الإرهاب. ولكن لم يغير ذلك شيئًا من سابق إقرار ترامب خلال رئاسته الأولى بخضوع الجولان السورية لإسرائيل، رغم أنها أرض محتلة وفقًا لقرارات الأمم المتحدة، ولم يعطِ ترامب اهتمامًا كبيرًا بما تقوم به إسرائيل من قصف لسوريا واحتلال مزيد من الأراضى السورية والتدخل فى شئون الدروز السوريين. ومع ذلك لا يتردد ترامب فى القول بأنه حقق السلام بين إسرائيل وسوريا!

• • •
ومن الوقائع الكاشفة بأن ترامب متوافق تمامًا مع نتنياهو إن لم يكن فى كل ففى معظم ما يرتكبه وحكومته من أعمال، تنديده بالمحكمة الجنائية الدولية لاتهامها نتنياهو بارتكاب جرائم حرب، وفرض على المحكمة عقوبات وطالب بحلها، كما أعلن تأييده نتنياهو فى الانتخابات الإسرائيلية وأنه الأفضل لرئاسة الحكومة الإسرائيلية وأى شخص آخر لن يكون مناسبًا. وهو ما اعتبرته المعارضة الإسرائيلية تدخلًا فى شئون إسرائيل.
الحقيقة أنه من الناحية العملية لم تسهم مبادرات الرئيس ترامب فى التوصل إلى تسوية سياسية لأى من قضايا أو أزمات الشرق الأوسط، وكانت أقرب للدعاية السياسية، والتغطية على خطط إسرائيل التوسعية الاستعمارية وما ترتكبه من جرائم وانتهاكات للقانون الدولى، والقانون الدولى لحقوق الإنسان، ومن جرائم حرب وإبادة جماعية.

مساعد وزير الخارجية الأسبق

 

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2026 ShoroukNews. All rights reserved