عقول متفتحة.. وأخرى مغلقة

صحافة عربية
صحافة عربية

آخر تحديث: الثلاثاء 27 أكتوبر 2026 - 6:35 م بتوقيت القاهرة

نشرت جريدة الرأى الكويتية مقالًا للكاتبة أريج السنان، تؤكد فيه أن قيمة العقل ونضجه لا يقاسان بحجم العلم والشهادات، بل بالسلوك والتفكير؛ فالمرء ينبل بتفتح عقله مرونةً وتواضعًا وحسن استماع وتقبلًا للاختلاف، لا بالانغلاق والتعصب للرأى.. نعرض من المقال ما يلى:

ليس كل من اتسع علمه اتسع عقله، ولا كل من قل علمه ضاق عقله، فقد نلتقى بإنسان بسيط العلم، لكنه واسع الأفق، يحسن الاستماع ويقبل الاختلاف، ونلتقى بآخر يحمل من الشهادات وحضور الندوات، ومع ذلك لا يرى صوابًا إلا فى رأيه، ولا يقبل من الأفكار إلا ما يوافق قناعاته. فالعبرة ليست بما يحمله الإنسان فى عقله من معلومات، بل بالطريقة التى يفكر بها، ويتعامل من خلالها مع الناس والحياة.
العقل المتفتح يشبه البيت الذى يفتح أبوابه، لا يخشى أن يسمع رأيًا مختلفًا، ولا يشعر أن مكانته تهتز إذا اكتشف أنه أخطأ. يستمع ليفهم، ويناقش ليتعلم، ويقتنع أن الآخرين قد يرون ما لا يراه. وإذا خالفه أحد ونجح لا يشعر بالفشل، وإنما اقترب خطوة من الحقيقة. فالتواضع أمام العلم أرفع من ادعاء الإحاطة بكل شىء.
وعلى الجانب الآخر، هناك عقل أغلق أبوابه، واكتفى بما يعلم، فلا يسمع للرأى المخالف، أى يبدى رأيه، فيرد قبل أن يكتمل الكلام، ويرى النقد انتقاصًا من قدره، ويستقبل الفكرة الجديدة بالرفض لأنها لم تمر من طريقه المعتاد.
وكم نشاهد ذلك فى حياتنا.. كأبٍ يستمع إلى ابنه، فيكتشف أن اختلاف الأجيال لا يلغى الحكمة عند الكبار ولا الفهم عند الصغار، وأب آخر يرفض معرفة رأى ابنه ولا يقبل التفاهم لأنه هو الأكبر. وكذلك، مسئول يرحب بفكرة موظف صغير، فتكون بداية لتطوير العمل، وآخر يرفضها لأن صاحبها أقل منه خبرة. وحتى فى مجالس الأصدقاء، قد تتحول كلمة إلى خصومة طويلة، لأن الخلاف يقلل من شأنه.
والحكمة ليست فى إغلاق الأبواب كلها، ولا فى فتحها لكل فرد، وإنما فى أن نعرف متى نستمع، ومتى نقبل، ومتى نرفض. فالإنسان يستطيع أن يكون ثابتًا على مبادئه، مرنًا فى تفكيره، محترمًا لغيره دون أن يتخلى عن قناعاته.
ولعل أجمل ما فى نضج الإنسان أن يصل إلى مرحلة لا يخاف فيها من اختلاف الناس معه، ولا يرى الاعتراف بالخطأ هزيمة، ولا يظن أن احترام الآخرين يفرض عليه موافقتهم.
فالحياة لا تحتاج إلى عقول تتشابه فى كل شىء، بل إلى عقول تتقبل الحوار، تعرف كيف تتحاور. وأكثر ما يجعلك تتفوق فى ذلك؛ تجارب ومواقف واحتكاك بشخصيات مختلفة تجعلك فنانًا فى التمييز بين الأفراد، مهيئًا للحوار.

هذا المحتوى مطبوع من موقع الشروق

Copyright © 2026 ShoroukNews. All rights reserved